احتج به مسلم،1 وأصلحه أبو داود،2 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن».3 وسأل الترمذي أبا زرعة عن اختلاف الطريقين عن العلاء بن عبد الرحمن فقال: «كلا الحديثين صحيح»، واحتج برواية أبي أُويس عن العلاء أنه سمعه من أبيه ومن أبي السائب.4 وأورده ابن خزيمة في «صحيحه».5 وأورده ابن حبان في «صحيحه».6
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (296-297/1 رقم 395 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2سنن أبي داود (216/1 رقم 821 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
3سنن الترمذي (5/ 201 رقم 2953)
4سنن الترمذي (5/ 201 رقم 2953)
5صحيح ابن خزيمة (554/1 رقم 502 ت محمد مصطفى الأعظمي)
6صحيح ابن حبان (54-56/3 رقم 776 ت شعيب الأرناؤوط)
تخريج الحديث
رواه مالك،1 ومسلم،2 وأبو داود،3 والنسائي،4 وابن خزيمة،5 من طريق مالك بن أنس، عن العَلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زُهرة، يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، بالحديث.
ورواه مسلم،6 وأحمد،7 من طريق سفيان بن عُيينة، عن العَلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا. وصرح سفيان بأنه تلقى الحديث من العلاء نفسه فقال: «دخلت عليه وهو مريض في بيته، فسألته أنا عنه».8
ورواه الترمذي،9 من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي، عن العَلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا، وقال الترمذي: «وقد روى شعبة وإسماعيل بن جعفر وغير واحد عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو هذا الحديث».10
ورواه مسلم،11 من طريق عبد الرزاق، عن ابن جُريج، عن العَلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، بنحو رواية مالك.
فهنا قد يتوهم الناظر أن العلاء اضطرب في شيخه، فرواه تارة عن أبيه، وتارة عن أبي السائب، وأن أحد الوجهين لا بد أن يكون خطأ، لكن الرواية التي حسمت هذا الاختلاف رواها مسلم من طريق أبي أُويس، عن العَلاء، قال: «سمعت من أبي ومن أبي السائب، وكانا جليسي أبي هريرة»، ثم رواه كلاهما عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ.12 فتبين أن العلاء حمل الحديث عن شيخين، وأن الوجهين محفوظان عنه، لا أن أحدهما وهم.
ولهذا لما سأل الترمذي أبا زرعة عن هذا الاختلاف قال: «كلا الحديثين صحيح»، واحتج بحديث ابن أبي أُويس، عن أبيه، عن العلاء، أنه قال: «حدثني أبي وأبو السائب مولى هشام بن زهرة، وكانا جليسين لأبي هريرة».13 وهذا من دقائق طريقة المتقدمين؛ فلم يرجح أبو زرعة أحد الوجهين بمجرد الكثرة، بل وجد الرواية التي أثبتت أن الاختلاف اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
وأورده ابن حبان من وجه آخر عن العَلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ رواه من طريق ابن ثَوبان، عن الحسن بن الحُر، عن العَلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا.14 فهذا يقوي حفظ وجه عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي هريرة.
ووقع في بعض الروايات اختلاف يسير في الألفاظ؛ ففي رواية سفيان عند مسلم بعد ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: «مجدني عبدي»، وقال مرة: «فوض إلي عبدي».15 وجاء في بعض الطرق تقديم بعض عبارات القسمة وتأخيرها، ولا يقدح شيء من ذلك في أصل الحديث ولا معناه.
فالحديث يدور على العَلاء بن عبد الرحمن، وقد رواه عنه جماعة من الحفاظ، وحُفظ عنه من طريق أبيه ومن طريق أبي السائب، وثبت عنه التصريح بالسماع منهما جميعًا، فانتفت علة الاضطراب في تعيين الشيخ. وقد احتج مسلم بالطريقين، وصححهما أبو زرعة، وحسنه الترمذي، وأورده ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.
وأقوى ما قد يتوهم علةً في الحديث اختلاف الرواة عن العلاء: هل رواه عن أبيه أو عن أبي السائب؟. لكن هذه العلة مدفوعة برواية أبي أُويس عنه أنه سمع الحديث من الاثنين، وبحكم أبي زرعة الصريح بصحة الوجهين. فلا تعارض هنا بين الطريقين، بل كل واحد منهما أصل محفوظ.
فالراجح أن الحديث مرفوع صحيح بلا إشكال، وطريقاه عن العلاء محفوظان، وليس الاختلاف فيهما من باب الاضطراب المعل.
المصادر والمراجع
1موطأ مالك (84-85/1 رقم 39 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2صحيح مسلم (297/1 رقم 395 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3سنن أبي داود (216/1 رقم 821 ت محمد محيي الدين عبد الحميد)
4سنن النسائي (135/2 رقم 909 ت عبد الفتاح أبو غدة)
5صحيح ابن خزيمة (554/1 رقم 502 ت محمد مصطفى الأعظمي)
6صحيح مسلم (296/1 رقم 395 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
7مسند أحمد (239/12 رقم 7291 ط الرسالة)
8صحيح مسلم (296/1 رقم 395 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
9سنن الترمذي (5/ 201 رقم 2953 ت بشار)
10سنن الترمذي (5/ 201 رقم 2953 ت بشار)
11صحيح مسلم (297/1 رقم 395 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
12صحيح مسلم (297/1 رقم 395 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
13سنن الترمذي (5/ 201 رقم 2953 ت بشار)
14صحيح ابن حبان (54-56/3 رقم 776 ت شعيب الأرناؤوط)
15صحيح مسلم (296/1 رقم 395 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
شرح الحديث
(مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ) أم القرآن هي سورة الفاتحة، و«الخداج» الناقص غير التام، والحديث يدل على عظيم شأن الفاتحة في الصلاة وافتقار الصلاة إليها (ثَلَاثًا غَيْرَ تَمَامٍ) كرر وصفها بالنقص توكيدًا لشدة الأمر، ثم فسره بقوله «غير تمام» (اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ) قال أبو هريرة ذلك لمن سأله عن حاله خلف الإمام، والمراد أن يقرأها سرًا بحيث لا يجهر بها، ومسألة قراءة المأموم خلف الإمام في الجهرية وقع فيها خلاف معروف بين أهل العلم (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ) المراد بالصلاة هنا الفاتحة؛ فسماها صلاة لعظم شأنها وكونها من أجل أجزائها، والقسمة قسمة باعتبار المعنى: فأول السورة ثناء على الله وتمجيد له، وآخرها سؤال ودعاء للعبد (وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) وعد من الله لعبده بما سأله في هذه السورة من الهداية إلى الصراط المستقيم والثبات عليه (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الحمد وصف الله بالكمال مع المحبة والتعظيم، و«رب العالمين» مالك الخلق ومدبرهم ومربيهم بنعمه (حَمِدَنِي عَبْدِي) أثنى العبد على ربه بما له من المحامد والكمالات (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) اسمان من أسماء الله يدلان على ثبوت الرحمة له سبحانه على ما يليق بجلاله (أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي) زاد العبد في مدح ربه بعد حمده، فوصفه بكمال رحمته (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) مالك يوم الجزاء والحساب، المتفرد بالحكم فيه (مَجَّدَنِي عَبْدِي) عظمني ووصفني بالمجد والعظمة، وجاء في بعض الروايات: «فوض إلي عبدي»، أي رد أمره وسلمه إلى ربه (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إفراد لله وحده بجميع أنواع العبادة، فلا يصرف شيء منها لغيره (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إفراد الله بطلب العون فيما لا يقدر عليه إلا هو، والافتقار إليه في جميع الأمور (هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي) لأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ حق الله وهو العبادة، و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ سؤال العبد ربه واستمداده العون منه (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) سؤال الله الهداية إلى الطريق الحق علمًا وعملًا والثبات عليه (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) طريق أهل الإيمان والطاعة الذين أنعم الله عليهم بالهداية (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) سؤال لله أن يجنب العبد طريق من عرف الحق وتركه وطريق من ضل عنه لجهله وانحرافه (هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) جعل الله هذه الآيات دعاءً للعبد ووعده بما سأله، وفيه عظيم فضل الفاتحة وأن المصلي إذا قرأها حاضر القلب كان في مناجاة مع ربه آيةً آية.
فوائد الحديث
من أعظم ما يغفل عنه المصلي أنه إذا قرأ الفاتحة لم يكن يتلو كلامًا فحسب، بل كان يناجي ربًّا يسمعه ويجيبه؛ فإذا حمده قال الله: «حَمِدَنِي عَبْدِي»، وإذا أثنى عليه قال: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»، وإذا مجَّده قال: «مَجَّدَنِي عَبْدِي». فأي شرف أعظم من عبد فقير يناجي ملك الملوك، فيجيبه رب العالمين!
وما أمر الله عباده أن يسألوه الهداية في كل ركعة إلا لعظيم حاجتهم إليها؛ فالعبد قد يعرف الحق ويُحرم العمل به، وقد يسلكه ثم يزيغ عنه، ولا يثبت على الصراط إلا من ثبته الله. ولهذا كان أعظم سؤال يتكرر في الصلاة سؤال الهداية، لا سؤال الرزق ولا الصحة ولا طول العمر.
ومن تأمل هذا الحديث علم أن الخشوع لا يُطلب بكثرة الحركات ولا بتكلف البكاء، وإنما يبدأ من قلب يعلم بين يدي من يقف، ومن الذي يخاطبه، ومن الذي يجيبه.
فكم من مصلٍّ يكرر الفاتحة ولسانه حاضر وقلبه غائب! ولو استحضر جواب الله له عند كل آية، لاستحيا أن يناجي ربه بقلب منصرف عنه.