أصلحه أبو داود،1 وقال النووي: «إسناده جيد».2 وقال في موضع آخر: «إسناده حسن».3 وسكت عنه ابن حجر في «هداية الرواة»، فهو حسن عنده بحسب شرطه،4 وحسنه الألباني.5
لكن علي بن المديني نبه إلى الاختلاف فيه، فقال: «حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: من اضطجع مضجعًا لم يذكر الله فيه كان عليه ترة؛ رواه ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة، ورواه ابن أبي ذئب فأدخل بين سعيد وبين أبي هريرة رجلًا، فرواه عن سعيد عن أبي إسحاق مولى عبد الله بن الحارث عن أبي هريرة، ورواه صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة».6 وقال الدارقطني بعد ذكر الاختلاف: «وقول ابن أبي ذئب أشبه بالصواب».7 والمنذري نبه على أن في إسناده محمد بن عجلان وأن فيه مقالًا.8
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (رقم 4856، 5059 ت شعيب الأرناؤوط)
2الأذكار (ص130)
3المجموع (4/ 478)
4هداية الرواة (2/ 423)
5صحيح سنن أبي داود (رقم 5059)
6العلل لابن المديني (ص78 ت محمد مصطفى الأعظمي)
7علل الدارقطني (رقم 1473)
8مختصر سنن أبي داود، عند حديث 4856
تخريج الحديث
رواه أبو داود،1 والنسائي،2 والبيهقي،3 من طريق اللَّيث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المَقبُري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ النسائي أتم: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنْ قَامَ مَقَامًا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ تِرَةٌ».4
ورواه أبو داود مرة أخرى،5 من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن محمد بن عجلان، عن المَقبُري، عن أبي هريرة، بلفظ الحديث المذكور، وفيه التصريح بقوله: «يوم القيامة».6 وهذه ليست طريقًا مستقلة عن الأولى؛ لأن مدار الوجهين على محمد بن عجلان عن سعيد المَقبُري.
ورواه الطبراني،7 من طريق محمد بن حُمير، عن خالد بن حميد، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المَقبُري، عن أبي هريرة، وفيه: «ومن قام مقامًا»، فهو كذلك راجع إلى طريق ابن عجلان، ولا يعد متابعة مستقلة له.8
غير أن طريق ابن عجلان معلول من جهة روايته عن سعيد المَقبُري؛ فقد كان ابن عجلان ثقة في نفسه، إلا أن أحاديث سعيد اختلطت عليه، فكان سعيد يروي تارة عن أبيه عن أبي هريرة، وتارة عن رجل عن أبي هريرة، وتارة عن غيرهما، فجعلها ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة. وقد قال النسائي: «ابن أبي ذئب أثبت عندنا من محمد بن عجلان ومن الضحاك بن عثمان في سعيد المقبري، وحديثه أولى عندنا بالصواب... وابن عجلان اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبري... فجعلها كلها عن سعيد عن أبي هريرة».9 ونقل نحو ذلك عن ابن عجلان نفسه يحيى القطان وأحمد وغيرهما.
وقد ظهر أثر هذا الاختلاط في حديثنا؛ فرواه أحمد،10 والنسائي،11 من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقبُري، عن أبي إسحاق مولى عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة، مرفوعًا. ولفظ أحمد: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَلَمْ يَذْكُرُوا اللهَ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مَشَى طَرِيقًا فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عز وجل إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً، وَمَا مِنْ رَجُلٍ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً».12 وروى روح بن عبادة هذا الطريق نفسه عن ابن أبي ذئب، لكنه لم يذكر جملة الفراش.13
وهذا الوجه هو الذي رجحه الدارقطني، فقال بعد ذكر رواية ابن عجلان ورواية ابن أبي ذئب: «وقول ابن أبي ذئب أشبه بالصواب».14 وهو ترجيح قوي؛ لأن ابن أبي ذئب أثبت أصحاب سعيد المَقبُري، وقد قدمه النسائي صراحة على ابن عجلان في سعيد. وعلى هذا فالمحفوظ أن بين سعيد وأبي هريرة أبا إسحاق مولى عبد الله بن الحارث.
وأبو إسحاق مولى عبد الله بن الحارث لا يعرف له راوٍ غير سعيد المَقبُري فيما ظهر، ولذلك قال الهيثمي: «لم يوثقه أحد ولم يجرحه».15 فالإسناد بهذا الوجه لا يصح منفردًا لجهالة أبي إسحاق.16
ورواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني عن سعيد المَقبُري، واختلف عليه في رفعه ووقفه؛ فرواه محمد بن عبد الأعلى، عن بشر بن المفضل، عنه موقوفًا على أبي هريرة، ورواه يوسف القاضي عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عنه مرفوعًا. وقد ذكر الدارقطني هذا الاختلاف في الموضع نفسه، ثم رجح طريق ابن أبي ذئب.17 فلا تصلح رواية عبد الرحمن بن إسحاق لتصحيح الطريق المباشر عن سعيد.
ورواه صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعًا في أصل التحذير من خلو المجلس من ذكر الله؛ رواه أحمد،18 والترمذي،19 بلفظ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً...» وقال الترمذي: «هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة».20 لكن راويه عن صالح هو سفيان الثوري، والثوري إنما أدرك صالحًا بعد اختلاطه؛ قال ابن معين: «الثوري إنما أدركه بعدما خرف»، وقال الجوزجاني: «وأما الثوري فجالسه بعد التغير».21 فلا يستقل هذا الطريق بالاحتجاج، لكنه يؤيد أصل المتن في المجلس.
ولأصل النهي عن خلو المجلس من ذكر الله شاهد أقوى من حديث أبي هريرة نفسه؛ رواه أبو داود،22 والنسائي،23 وأحمد،24 من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً».25 وهذا إسناد حسن مستقل، يثبت أصل الوعيد في ترك ذكر الله في المجلس.26
وثبت كذلك من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: «مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَا يَذْكُرُونَ اللهَ فِيهِ وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ دَخَلُوا الْجَنَّةَ لِلثَّوَابِ»، وإسناده صحيح.27 وهذا أيضًا يقوي أصل الجلوس والمجلس، لا خصوص لفظ «الاضطجاع».
وله شاهد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، رواه النسائي من طريق محمد بن بشار، عن أبي عامر، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن ذكوان أبي صالح السمان، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من قوم يجلسون مجلسًا لا يذكرون الله فيه إلا كانت عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة».28 غير أنه معلول بالاختلاف في الصحابي، وفي رفع الحديث ووقفه.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله، وصلاة على النبي ﷺ، إلا قاموا عن أنتن جيفة». رواه الطيالسي،29 وإسناده رجاله ثقات، كما قال البوصيري، غير أن أبا الزبير عنعن، وهو مدلس، وقد صحح الحديث بعض أهل العلم.
وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من قوم جلسوا مجلسًا، ثم قاموا منه لم يذكروا الله، ولم يصلوا على النبي ﷺ، إلا كان ذلك المجلس عليهم ترة». رواه الطبراني.30 وإسناده لا بأس به في الشواهد؛ قال الهيثمي: «رجاله وثقوا».31
وعن عبد الله بن مُغَفَّل رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من قوم اجتمعوا في مجلس فتفرقوا ولم يذكروا الله، إلا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة». رواه الطبراني.32 وإسناده فيه لين من جهة شَدَّاد بن سعيد وأبي الوازع جابر بن عمرو، ويصلح للاعتبار. وقد وقع في رواية أحمد تسمية الصحابي عبد الله بن عمرو، والحديث يدور على الإسناد نفسه، فلا يُعد شاهدًا مستقلًّا.33
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (رقم 4856 ت شعيب الأرناؤوط)
2السنن الكبرى للنسائي (9/ 155 رقم 10164 ط الرسالة)
3شعب الإيمان (2/ 77 رقم 541 ط الرشد)
4السنن الكبرى للنسائي (9/ 155 رقم 10164 ط الرسالة)
5سنن أبي داود (رقم 5059 ت شعيب الأرناؤوط)
6سنن أبي داود (رقم 5059 ت شعيب الأرناؤوط)
7مسند الشاميين (2/ 272 رقم 1324)
8مسند الشاميين (2/ 272 رقم 1324)
9السنن الكبرى للنسائي، عقب حديث 9839
10مسند أحمد (15/ 357 رقم 9583 ط الرسالة)
11السنن الكبرى للنسائي (9/ 155 رقم 10165 ط الرسالة)
12مسند أحمد (15/ 357 رقم 9583 ط الرسالة)
13مسند أحمد (15/ 357 رقم 9583 ط الرسالة)
14علل الدارقطني (رقم 1473)
15مجمع الزوائد (10/ 83 ت حسام الدين القدسي)
16مجمع الزوائد (10/ 83 ت حسام الدين القدسي)
17علل الدارقطني (رقم 1473)
18مسند أحمد (15/ 475 رقم 9764 ط الرسالة)
19سنن الترمذي (6/ 166 رقم 3380 ت بشار)
20سنن الترمذي (6/ 166 رقم 3380 ت بشار)
21تهذيب التهذيب (4/ 405)
22سنن أبي داود (رقم 4855 ت شعيب الأرناؤوط)
23السنن الكبرى للنسائي (رقم 10169 ط الرسالة)
24مسند أحمد (16/ 400 رقم 10680 ط الرسالة)
25سنن أبي داود (رقم 4855 ت شعيب الأرناؤوط)
26مسند أحمد (16/ 400 رقم 10680 ط الرسالة)
27مسند أحمد، وانظر السلسلة الصحيحة (1/ 158 رقم 76 ط مكتبة المعارف)
28السنن الكبرى للنسائي (9/ 157 رقم 10170 ط الرسالة)
29مسند أبي داود الطيالسي (3/ 314 رقم 1863 ت محمد بن عبد المحسن التركي)
30المعجم الكبير للطبراني (8/ 181 رقم 7751 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
31مجمع الزوائد (10/ 83)
32المعجم الأوسط للطبراني (4/ 112 رقم 3744 ط دار الحرمين)
33مسند أحمد (7093 ط الرسالة)
شرح الحديث
(مَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا) من أوى إلى فراشه أو موضع نومه واستلقى فيه (لَمْ يَذْكُرِ اللهَ تَعَالَى فِيهِ) لم يأت بشيء من ذكر الله عند نومه، من تسبيح أو تحميد أو تهليل أو دعاء مشروع (إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كان ذلك عليه حسرة ونقصًا يوم القيامة، و«التِّرَة» التبعة والحسرة وما يفوت الإنسان من الخير فيندم عليه (وَمَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا) من جلس مجلسًا مع الناس أو وحده (لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عز وجل فِيهِ) مضى مجلسه من غير ذكر لله ولا استحضار لطاعته (إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كان ذلك المجلس سبب حسرة عليه لما ضيعه من فرصة الذكر والأجر.
فوائد الحديث
من أعظم الخذلان أن يجلس العبد ساعاتٍ يذكر فيها الناس، ثم يضطجع فيذكر هموم الدنيا، ولا يجد لذكر الله موضعًا في مجلسه ولا مضجعه! فكل مجلس خلا من ذكر الله حسرة، وكل مضجع خلا منه حسرة؛ وما أشد فقرَ قلبٍ يتسع لكل شيء إلا لذكر خالقه!.