قال الدارقطني: «تفرد به عنبسة بن عبد الرحمن عن زيد بن أسلم عن أبيه».1 ونقل المتقي الهندي عزوه إلى العسكري في «المواعظ» مع قوله: «وفيه عنبسة القرشي متروك».2
المصادر والمراجع
1أطراف الغرائب والأفراد (1/ 48 ت محمود محمد محمود حسن نصار والسيد يوسف)
2كنز العمال (2/ 241 رقم 3923 ط مؤسسة الرسالة)
تخريج الحديث
رواه ابن عساكر،1 من طريق بدر بن الهيثم القاضي، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن محمد بن القاسم، عن عَنبسة بن عبد الرحمن القرشي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم مولى عمر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مرفوعًا.
ووقع في مطبوعة «تاريخ دمشق»: «حدثنا محمد بن القاسم بن عنبسة القرشي عن زيد بن أسلم»، والظاهر أن في العبارة سقطًا في الأداء بين «القاسم» و«عنبسة»، وأن الصواب: محمد بن القاسم، عن عَنبسة القرشي؛ فإن الدارقطني نص في هذا الحديث نفسه على أنه من تفرد عَنبسة بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم، عن أبيه،2 كما أن محمد بن القاسم الأسدي معروف بالرواية عن عَنبسة بن عبد الرحمن.3 وهذا يؤكد أن مدار الخبر هو عَنبسة، لا راوٍ اسمه «محمد بن القاسم بن عنبسة».
وعزاه الدارقطني في «الأفراد» إلى هذا الطريق، ونقل ابن طاهر عنه قوله: «تفرد به عنبسة بن عبد الرحمن عن زيد بن أسلم عن أبيه».4 فهذا نص في أن عَنبسة انفرد بهذا الخبر عن زيد بن أسلم، ولم نقف له على متابعة معتبرة عن زيد.
ومدار الحديث عَنبسة بن عبد الرحمن بن عَنبسة الأُموي القرشي، وهو متروك شديد الضعف، بل اتهمه النقاد بالوضع؛ قال يحيى بن معين: «لا شيء»، وقال أبو زرعة: «منكر الحديث، واهي الحديث»، وقال أبو حاتم: «متروك الحديث، كان يضع الحديث»، وقال البخاري: «تركوه»، وقال أبو داود والنسائي والدارقطني: «ضعيف»، وقال النسائي في موضع آخر: «متروك»، وقال أبو الفتح الأزدي: «كذاب».5 وقال أبو حاتم أيضًا فيه: «هو متروك الحديث، كان يضع الحديث».6 وقال ابن حبان: «صاحب أشياء موضوعة وما لا أصل له مقلوبة، لا يحل الاحتجاج به».7
فالعلة هنا ليست مجرد سوء حفظ يمكن انجباره، وإنما تفرد راو متروك رماه أبو حاتم بالوضع، ونسب إليه ابن حبان رواية الموضوعات والمقلوبات؛ ومثل هذا لا يصلح حديثه للاعتبار أصلًا، فضلًا عن أن ينفرد بخبر قدسي لا يعرف عن أصحاب زيد بن أسلم الثقات.
ويزداد الطريق ضعفًا من جهة محمد بن القاسم الأسدي على الوجه الذي حفظ به الإسناد؛ فقد تكلم فيه جماعة من النقاد كلامًا شديدًا، ونقل البخاري عن أحمد أنه كان يرميه بالكذب، فلا ينهض الطريق حتى لو غض النظر عن عَنبسة، لكن عَنبسة وحده كاف في إسقاط الخبر.
وجاء عقب هذا الخبر عند ابن عساكر أثر آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في سؤال موسى عليه السلام: «يا رب، أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني».8 وهذا ليس متابعة للحديث المرفوع عن عمر، ولا يثبت به هذا السياق؛ فهو خبر آخر بإسناد آخر ولفظ آخر، فلا يصح جعله شاهدًا لإنقاذ تفرد عَنبسة.
وأصل فضل كثرة ذكر الله ومحبة الله للذاكرين ثابت بأدلة صحيحة كثيرة، ومن ذلك قول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «أَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي».9 لكن صحة هذا الأصل لا تثبت خصوص الحكاية المنسوبة إلى موسى عليه السلام، ولا قوله: «إذا رأيت عبدي يكثر ذكري فأنا أذنت له في ذلك وأنا أحبه... وأنا أبغضه».
فالحديث يدور على عَنبسة بن عبد الرحمن عن زيد بن أسلم، وقد نص الدارقطني على تفرده به، وعَنبسة متروك شديد الضعف، قال أبو حاتم: «كان يضع الحديث»، وقال ابن حبان: يروي أشياء موضوعة لا يحل الاحتجاج به، ولم نجد للخبر متابعة معتبرة ولا شاهدًا يثبت هذا السياق؛ فالراجح أن الحديث مرفوع ضعيف جدًا، ولا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ على سبيل الجزم. وأما فضل كثرة ذكر الله وأن الذكر من أمارات التوفيق فثابت بأدلة صحيحة أخرى، لا بهذا الخبر.
المصادر والمراجع
1تاريخ دمشق (61/ 147 ت عمرو بن غرامة العمروي)
2أطراف الغرائب والأفراد (1/ 48 ت محمود محمد محمود حسن نصار والسيد يوسف)
3تهذيب الكمال (22/ 417 ت بشار)
4أطراف الغرائب والأفراد (1/ 48 ت محمود محمد محمود حسن نصار والسيد يوسف)
5تهذيب الكمال (22/ 418-419 ت بشار)
6الجرح والتعديل (6/ 402 رقم 2247 ط دائرة المعارف العثمانية)
7المجروحين (2/ 108 رقم 808 ط دار الوعي)
8تاريخ دمشق (61/ 147 ت عمرو بن غرامة العمروي)
9صحيح البخاري (7405)
شرح الحديث
(قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، وَدِدْتُ أَنِّي أَعْلَمُ مَنْ تُحِبُّ مِنْ عِبَادِكَ فَأُحِبَّهُ) أي إن موسى عليه السلام -بحسب هذا الخبر غير الثابت- سأل ربه علامة يعرف بها من يحبه الله ليحبه هو أيضًا. (إِذَا رَأَيْتَ عَبْدِي يُكْثِرُ مِنْ ذِكْرِي) أي يكثر من ذكر الله بقلبه ولسانه. (فَأَنَا أَذِنْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ) أي وفقته ويسرت له الذكر، وليس المراد مجرد الإذن الشرعي؛ فإن أصل ذكر الله مشروع للعباد جميعًا. (فَأُحِبُّهُ) أي جعل الخبر كثرة الذكر علامة على محبة الله للعبد، وهذا المعنى في الجملة تشهد له نصوص صحيحة في فضل الذكر، لكن هذا اللفظ بعينه لا يثبت. (وَإِذَا رَأَيْتَ عَبْدِي لَا يَذْكُرُنِي فَأَنَا حَجَبْتُهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَا أُبْغِضُهُ) أي زعم الخبر أن الإعراض عن الذكر علامة على الحرمان والبغض، وهذه الجملة بهذا العموم لا تثبت عن النبي ﷺ، فلا تبنى عليها أحكام الاعتقاد أو الحكم على أعيان الناس.