قال البيهقي عن الطريق الذي فيه عبد الرحمن بن حُجيرة: «هذا الإسناد أتم وأصح».1 وقال المنذري: «رواه أحمد والطبراني وإسنادهما حسن».2 وقال الهيثمي: «فيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح»،.مجمع الزوائد (4/ 148 ت حسام الدين القدسي)] وقال في موضع آخر: «إسنادهما حسن».3 وقال ابن حجر الهيتمي: «إسناده حسن».4 وصححه أحمد شاكر،5 والألباني.6
لكن قال العراقي: «فيه ابن لهيعة».7 وقال ابن حجر عن طريق الحاكم: «ولم يتكلم عليه، وليس هو من شرط الصحاح».8 وضعف محققو «المسند» إسناده، وعللوه بانقطاع رواية الحارث بن يزيد عن عبد الله بن عمرو، وبضعف ابن لَهِيعة.9 وأما طريق ابن عباس فقال ابن عدي: «كلها غير محفوظة، وكنا نتهمه بوضعها»، يعني جعفر بن أحمد الغافقي الذي تفرد به.10
المصادر والمراجع
1شعب الإيمان (7/ 202 رقم 4879 ت عبد العلي عبد الحميد حامد)
2الترغيب والترهيب (4/ 50 ت إبراهيم شمس الدين)
3مجمع الزوائد (10/ 295 ت حسام الدين القدسي)
4الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 231)
5مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر (10/ 138)
6السلسلة الصحيحة (2/ 361 رقم 733 ط مكتبة المعارف)
7المغني عن حمل الأسفار (3/ 168)
8إتحاف المهرة (9/ 445 رقم 11641)
9مسند أحمد (11/ 233 رقم 6652 ط الرسالة)
10الكامل في ضعفاء الرجال (1/ 265)
تخريج الحديث
رواه ابن وهب،1 وأحمد،2 من طريق عبد الله بن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد الحَضرمي، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، مرفوعًا. وهذه الطريق ظاهرها الانقطاع؛ إذ لا تعرف للحارث بن يزيد رواية عن عبد الله بن عمرو بلا واسطة، وإنما المحفوظ عنه بواسطة عبد الرحمن بن حُجيرة.
ورواه الطبراني،3 والبيهقي،4 من طريق يحيى بن يحيى، عن ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا. وهذه هي الرواية التامة، ولذلك قال البيهقي: «هذا الإسناد أتم وأصح»؛ أي أتم وأصح من الوجه الذي أسقط ابن حُجيرة، وليس في عبارته تصحيح مطلق للحديث، إذ بقي في الإسناد ابن لَهِيعة.
ورواه ابن أبي الدنيا من طريق يحيى بن حسان، عن ابن لَهِيعة، قال: حدثنا الحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا بلفظ: «ثَلَاثٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ لَمْ يَضُرَّكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: صِدْقُ حَدِيثٍ، وَحِفْظُ أَمَانَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ»، فسقط منه «حسن الخليقة».5 وهذا الاختلاف في العدد من رواية ابن لَهِيعة أيضًا يؤكد اضطرابه في الخبر.
ورواه الحاكم من طريق شعيب بن يحيى، عن ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد، عن «عبد الله بن عمر» مرفوعًا،6 ومن طريقه البيهقي،7 وهذا الوجه أسقط ابن حُجيرة، وجعل الصحابي عبد الله بن عمر بدل عبد الله بن عمرو، والأظهر أنه وهم أو تحريف؛ فإن أصل الحديث معروف عن عبد الله بن عمرو، والطريق التام عن ابن لَهِيعة نفسه فيه عبد الرحمن بن حُجيرة عن عبد الله بن عمرو، وقد رجحه البيهقي بقوله: «هذا الإسناد أتم وأصح».
فمدار الطرق المرفوعة المشهورة على عبد الله بن لَهِيعة، وقد اضطرب فيه: فرواه عن الحارث بن يزيد مباشرة عن عبد الله بن عمرو، ورواه عنه بواسطة عبد الرحمن بن حُجيرة، وجاء في وجه آخر «عبد الله بن عمر». وابن لَهِيعة معروف بسوء الحفظ، ولا يكفي هنا أن ابن وهب من قدماء أصحابه؛ لأن العلة لا تنحصر في تغير ابن لَهِيعة بعد احتراق كتبه، بل ظهر الاختلاف نفسه في إسناد الحديث، والرواية التامة ليست من طريق ابن وهب.
ورواه من وجه آخر الطبراني،8 والبيهقي،9 من طريق رَوح بن صلاح المصري، عن موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا ضمن حديث أطول، وفيه: «وَمَنْ يَكُنْ فِيهِ أَرْبَعٌ فَلَا يَضُرُّهُ مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنَ الدُّنْيَا: حُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعَفَافٌ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحِفْظُ أَمَانَةٍ». وقال الطبراني: «لم يرو هذين الحديثين عن موسى بن علي إلا روح بن صلاح».10
ورَوح بن صلاح لا يصلح لرفع الموقوف؛ فقد قال الدارقطني: «ضعيف في الحديث»، وضعفه ابن عدي وقال: «في بعض حديثه نكرة»، وقال ابن يونس: «رويت عنه مناكير»، وإن وثقه الحاكم وذكره ابن حبان في الثقات.11
وخالف رَوحَ بن صلاح في رفعه من هو أوثق؛ فرواه عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عُلَيّ بن رباح، قال: سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن عمرو، موقوفًا عليه، وفيه: «وَأَرْبَعُ خِلَالٍ إِذَا أُعْطِيتَهُنَّ لَمْ يَضُرَّكَ مَا عُزِلَ عَنْكَ مِنَ الدُّنْيَا: حُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعَفَافُ طُعْمَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحِفْظُ أَمَانَةٍ».12 وهذا إسناد صحيح إلى عبد الله بن عمرو.
ورواه البخاري موقوفًا كذلك من طريق عبد الله بن صالح، عن موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: «أَرْبَعُ خِلَالٍ إِذَا أُعْطِيتَهُنَّ فَلَا يَضُرُّكَ مَا عُزِلَ عَنْكَ مِنَ الدُّنْيَا: حُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعَفَافُ طُعْمَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحِفْظُ أَمَانَةٍ».13
وهذا الاختلاف حاسم؛ فرَوح بن صلاح الضعيف رفعه عن موسى بن عُلَيّ، بينما رواه ابن المبارك الإمام الثقة عن موسى نفسه موقوفًا، وتابعه عليه عبد الله بن صالح. فالموقوف عن موسى بن عُلَيّ عن أبيه عن عبد الله بن عمرو هو المحفوظ في هذا الطريق، ولا تصلح رواية رَوح لرفعه.
وروي من حديث ابن عباس مرفوعًا؛ رواه ابن عدي من طريق جعفر بن أحمد الغافقي، عن سعيد بن عفير، عن ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، لكن ابن عدي قال عن جعفر وما رواه بهذا الإسناد: «كلها غير محفوظة، وكنا نتهمه بوضعها».14 فلا يصلح هذا الطريق شاهدًا ولا اعتبارًا.
وأما تصحيح الألباني للمرفوع، فقد بنى جانبًا منه على أن رواية ابن وهب عن ابن لَهِيعة صحيحة، وقال عن الطريق الموقوف: «ولا منافاة بينهما، فإن الراوي قد لا ينشط أحيانًا فيوقفه».15 لكن هذا الجمع بعيد هنا؛ لأن المسألة ليست مجرد راوٍ واحد رفعه مرة ووقفه أخرى مع تساوي الطريقين، بل المرفوع من طريق ابن لَهِيعة مضطرب في الواسطة والصحابي، والمرفوع من طريق موسى بن عُلَيّ لم يأت إلا من رَوح بن صلاح الضعيف، بينما الموقوف عنه رواه ابن المبارك الثقة الإمام بإسناد صحيح.
فالمرفوع لا يثبت: طريق ابن لَهِيعة مضطرب، مرة بإسقاط عبد الرحمن بن حُجيرة ومرة بإثباته، ووقع فيه أيضًا «ابن عمر» بدل «ابن عمرو»؛ وطريق موسى بن عُلَيّ المرفوع تفرد به رَوح بن صلاح وهو ضعيف، وقد خالفه ابن المبارك فرواه موقوفًا بإسناد صحيح. أما طريق ابن عباس فشديد الضعف لا يصلح للاعتبار.
المصادر والمراجع
1الجامع لابن وهب (ص641 رقم 546 ت مصطفى أبو الخير)
2مسند أحمد (11/ 233 رقم 6652 ط الرسالة)
3المعجم الكبير (14/ 107 رقم 14725 ط دار إحياء التراث)
4شعب الإيمان (7/ 202 رقم 4879 ت عبد العلي عبد الحميد حامد)
5الصمت وآداب اللسان (ص227 رقم 445)
6المستدرك على الصحيحين (7/ 573 رقم 8089)
7شعب الإيمان (7/ 201 رقم 4878 ت عبد العلي عبد الحميد حامد)
8المعجم الأوسط (1/ 81 رقم 231)
9شعب الإيمان (10/ 371 رقم 7644 ت عبد العلي عبد الحميد حامد)
10المعجم الأوسط (1/ 81 رقم 231)
11لسان الميزان (4/ 480-481 ت عبد الفتاح أبو غدة)
12الزهد والرقائق لابن المبارك (ص424 رقم 1204 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
13الأدب المفرد (ص108 رقم 288 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
14الكامل في ضعفاء الرجال (1/ 265)
15السلسلة الصحيحة (2/ 361 رقم 733 ط مكتبة المعارف)
شرح الحديث
(أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا) أي أربع خصال إذا رزقها الإنسان ففوات شيء من متاع الدنيا لا يضره في حقيقة أمره؛ لأنها من أعظم ما يصلح به دينه ومعاملته، وهذا المعنى ثابت موقوفًا على عبد الله بن عمرو. (حِفْظُ أَمَانَةٍ) أي أداء ما اؤتمن عليه من حقوق الله وحقوق العباد، وعدم الخيانة فيها. (وَصِدْقُ حَدِيثٍ) أي لزوم الصدق في القول والإخبار، واجتناب الكذب. (وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ) الخليقة هي السجية والطبع، والمراد حسن الخلق في معاملة الناس، من الرفق وكف الأذى وبذل المعروف. (وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ) الطُّعمة ما يأكله الإنسان وما يكتسبه لمعاشه، والمعنى أن يكون عفيفًا عن الحرام والشبهات في مطعمه ومكسبه، فلا يدخل جوفه ولا ماله إلا ما حل له.