تخريج حديث 2097: «إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ.”
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ.”
احتج به مسلم،1 واحتج البخاري بأصله باختلاف يسير،2 وقال الترمذي: «حديث أبي هريرة حديث حسن غريب»، ثم قال عن حديثه وحديث أسماء بنت أبي بكر: «وكلا الحديثين صحيح».3 وأورده ابن حبان في «صحيحه».4 وقال ابن حجر: «محفوظ».5 وصححه ابن العربي.6
رواه البخاري،1 ومسلم،2 والترمذي،3 وابن حبان،4 من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا.
فرواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم ابن عُلَيَّة، عن الحجاج بن أبي عثمان الصَّوَّاف، عن يحيى بن أبي كثير، وفيه تصريح يحيى فقال: «وحدثني أبو سلمة»، عن أبي هريرة، باللفظ المذكور.5
ورواه الترمذي من طريق سفيان بن حبيب، عن الحجاج الصَّوَّاف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، باللفظ نفسه، وقال: «حديث أبي هريرة حديث حسن غريب».6 ثم وثق الحجاج الصواف، فنقل عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال فيه: «ثقة، فطن، كيس».7
ورواه البخاري من طريق أبي نعيم الفضل بن دُكَيْن، عن شَيْبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، وفيه التصريح بأن أبا سلمة حدث يحيى، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بلفظ: «إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللهُ».8 فليس في رواية البخاري قوله: «وإن المؤمن يغار»، وفي آخرها: «ما حرم الله» بدل «ما حرم عليه».
ورواه مسلم أيضًا من طريق أبي داود الطيالسي، عن أبان بن يزيد العطار وحرب بن شداد، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بمثل رواية الحجاج.9 فتثبت رواية الحديث عن يحيى من طريق الحجاج الصواف وأبان بن يزيد وحرب بن شداد وشيبان بن عبد الرحمن، وهم ثقات، فلا تفرد مؤثر في الطريق.
ورواه ابن حبان من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بلفظ: «إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَالْمُؤْمِنُ يَغَارُ، فَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ».10 فتابع الأوزاعي أصحاب يحيى على أصل الحديث.11
ولا يقدح ما يذكر في يحيى بن أبي كثير من الإرسال والتدليس؛ لأن رواية مسلم من طريق الحجاج فيها تصريحه بقوله: «حدثني أبو سلمة»، ورواية البخاري كذلك فيها أن أبا سلمة حدثه، فالسماع ثابت في هذا الخبر.
وله أصل صحيح من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما؛ فرواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن عروة بن الزبير حدثه، عن أسماء بنت أبي بكر، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَيْسَ شَيْءٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ عز وجل».12 وقد أشار الترمذي إلى هذا الطريق وقال عن حديث أبي هريرة وحديث أسماء: «وكلا الحديثين صحيح».13
وثبت أصل المعنى أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ» رواه البخاري،14 ومسلم،15 وهذا يفسر معنى الغيرة في الحديث من جهة تعلقها بتحريم الفواحش والمحارم.
(إِنَّ اللهَ يَغَارُ) أي أن الغيرة صفة ثابتة لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله، لا تشبه غيرة المخلوقين (وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ) أي أن من خصال الإيمان أن توجد في المؤمن الغيرة المحمودة التي تمنعه من الرضا بالفاحشة وانتهاك حدود الله في نفسه وأهله، وليست كل غيرة محمودة؛ فقد جاءت السنة بالتفريق بين الغيرة التي يحبها الله والتي يبغضها. (وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ) أي أن مما تقتضيه غيرة الله سبحانه كراهته أن يقترف المؤمن ما حرمه عليه، ولهذا حرم سبحانه الفواحش وسائر المحرمات، وليس معنى الحديث حصر صفة الغيرة في هذا الأثر وحده، وإنما بيان أحد متعلقاتها وآثارها.
من أعجب تناقض الإنسان أن يغار على حرماته إذا انتهكها الناس، ثم لا يبالي بحرمات الله إذا انتهكها هو! والله يغار أن يأتي المؤمن ما حرَّم عليه؛ فكيف تعظم حرمة نفسك في قلبك، وتهون عليك حرمة ربك؟! ليست الغيرة أن تثور إذا مُسَّ عرضك، ثم تسكن إذا عصيت خالقك؛ وإنما صدق الغيرة أن تعظّم حدود الله في السر كما تعظّم حرماتك أمام الناس. فمن اشتد غضبه لنفسه، وضعفت غيرته على محارم ربه، فقد عظّم المخلوق في قلبه أكثر مما عظّم أمر الخالق!.