مرفوع ضعيف، والمحفوظ موقوف صحيح عن عائشة رضي الله عنها بمعناه.
أحكام المحدثين
أورده ابن حبان في صحيحه،1 وقال ابن حجر في طريق شعبة: «صحيح إسناده على شرط الشيخين».2 وصححه الألباني،3 وحسنه ضياء الرحمن.4
لكن قال أبو حاتم وأبو زرعة في طريق المحاربي، عن عثمان بن واقد، عن أبيه، عن محمد بن المنكدر، عن عروة، عن عائشة مرفوعًا: «هذا خطأ»، ثم قالا في رواية شعبة الموقوفة: «وهو الصحيح»، وقال أبو حاتم: الخطأ «إما من المحاربي، وإما من عثمان».5 وقال أبو حاتم في طريق قُطبة بن العلاء، عن أبيه، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: إن الصحيح رواية ابن المبارك عن هشام، عن رجل، عن عروة، عن عائشة من قولها.6 وقال العقيلي: «ولا يصح في الباب مسندًا، وهو موقوف من قول عائشة».7 وقال الدارقطني بعد جمع الاختلاف على واقد بن محمد: «ورفعه لا يثبت».8 ورجح العدوي وقفه مع بعض الباحثين.9
المصادر والمراجع
1الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (1/ 510 رقم 276)
2الأمالي المطلقة (ص119 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
3السلسلة الصحيحة (5/ 392 رقم 2311 ط مكتبة المعارف)
4الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (11/ 391)
5علل ابن أبي حاتم (5/ 59 رقم 1800 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
6علل ابن أبي حاتم (5/ 90 رقم 1827 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
7الضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 343 ت عبد المعطي أمين قلعجي)
8علل الدارقطني (14/ 182 رقم 3524 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
9سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (13/ 27)
تخريج الحديث
رواه ابن حبان،1 والقضاعي،2 من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عثمان بن واقد العُمري، عن أبيه واقد بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، مرفوعًا باللفظ المذكور: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ...».3
وهذا الطريق هو الذي سأل عنه ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة، فحكما عليه بالخطأ، وقالا إن الصواب رواية شعبة، عن واقد بن محمد، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة موقوفًا، وقالا: «وهو الصحيح»، ثم عيّن أبو حاتم موضع احتمال الخطأ فقال: «إما من المحاربي، وإما من عثمان».4 فهذا تعليل خاص بالطريق الذي جاء منه اللفظ المذكور، وليس مجرد تضعيف عام لبعض رجاله.
ورواه عبد بن حميد،5 من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة، عن واقد بن محمد، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، مرفوعًا بلفظ: «مَنْ أَرْضَى اللهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ النَّاسَ، وَمَنْ أَسْخَطَ اللهَ بِرِضَى النَّاسِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ».6 لكن وقع الاختلاف في هذا الطريق على شعبة نفسه.
فرواه النضر بن شميل عن شعبة، عن محمد بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة موقوفًا، فسأل الترمذي البخاري عنه فقال: «أخطأ النضر»، وبيّن أن شعبة إنما رواه عن واقد بن محمد، عن رجل، عن ابن أبي مليكة.7 ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة موقوفًا، كما حكاه الدارقطني، بينما رفعه عثمان بن عمر، ووقع أيضًا عن شعبة بإدخال رجل مبهم بين واقد وابن أبي مليكة؛ ثم خلص الدارقطني بعد حكاية هذه الوجوه إلى قوله: «ورفعه لا يثبت».8
وهنا ينبغي تحرير كلام البخاري؛ فإنه بعد أن خطّأ رواية النضر عن شعبة قال: «وروى عثمان بن واقد، عن أبيه، عن ابن المنكدر، عن عروة، عن عائشة، وهذا أصح».9 فقوله «هذا أصح» ترجيح لطريق عثمان بن واقد على الوجه الذي وقع فيه الخطأ عن شعبة، وليس فيه تصريح كقوله: «الحديث صحيح» أو «الرفع صحيح». وعلى فرض حمله على تقوية هذا الطريق، فقد خالفه أبو حاتم وأبو زرعة في الطريق نفسه مخالفة صريحة، وحكما على رفعه بالخطأ، ثم جاء الدارقطني فجمع وجوه الاختلاف وانتهى إلى أن الرفع لا يثبت.
ورواه الترمذي من طريق عبد الله بن المبارك، عن عبد الوهاب بن الوَرْد، عن رجل من أهل المدينة، أن معاوية كتب إلى عائشة أن تكتب إليه وصية، فكتبت إليه: «فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنِ الْتَمَسَ رِضَاءَ اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ».10 ورواه ابن المبارك في «الزهد» بهذا الإسناد.11 وهذه الطريق مرفوعة، لكن فيها رجل من أهل المدينة لم يسم، فلا تقوم بها الحجة مستقلة.
ثم أتبع الترمذي الطريق المرفوع بطريق محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية بالحديث بمعناه، وقال الترمذي صراحة: «ولم يرفعه».12 وهذا إسناد قوي إلى عائشة؛ فسفيان الثوري وهشام وعروة أئمة ثقات، وهو وجه مستقل عن طريق واقد بن محمد، ويؤيد أن أصل الوصية محفوظ من كلام عائشة رضي الله عنها.
وروي عن هشام بن عروة مرفوعًا أيضًا؛ رواه العقيلي من طريق قُطبة بن العلاء بن المنهال، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، مرفوعًا بلفظ: «مَنِ الْتَمَسَ مَحَامِدَ النَّاسِ بِمَعَاصِي اللهِ عَادَ حَامِدُهُ لَهُ ذَامًّا».13 لكن قُطبة وأباه لا يحتملان مخالفة الثقات، ولهذا قال العقيلي عقب الخبر: «ولا يصح في الباب مسندًا، وهو موقوف من قول عائشة».14
وسئل أبو حاتم عن هذه الرواية المرفوعة من طريق قُطبة، فذكر أن ابن المبارك رواه عن هشام بن عروة، عن رجل، عن عروة، عن عائشة من قولها، ثم قال: «وهذا الصحيح».15 فاجتمع على ترجيح الوقف في هذا الباب أبو حاتم وأبو زرعة والعقيلي والدارقطني، مع ثبوت الوجه الموقوف من طريق الثوري عن هشام بن عروة.
وجاء له شاهد مرفوع من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ رواه الطبراني،16 من طريق جَبْرون بن عيسى المقرئ، عن يحيى بن سليمان الحَفْري، عن الفضيل بن عياض، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا: «مَنْ أَسْخَطَ اللهَ فِي رِضَا النَّاسِ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ... وَمَنْ أَرْضَى اللهَ فِي سَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ...».17 وحسن بعض المتأخرين هذا الطريق، لكن في أوله جَبْرون بن عيسى البلوي المغربي، وقد قال ابن حجر فيه: «واهي الحديث»، وقال الهيثمي في موضع: «لم أعرفه»؛ فلا يصلح هذا الطريق لمعارضة حكم أئمة العلل في حديث عائشة، ولا لرفع الموقوف إلى المرفوع.18
وأما تصحيح ابن حجر لطريق شعبة، وتصحيح الألباني الحديث بمجموع طرقه، فمبناه على أن الرفع زيادة من ثقة، وأن الطرق المرفوعة يشد بعضها بعضًا. لكن هذه القاعدة لا تطبق مجردة إذا حكم أئمة العلل على الرفع نفسه بالخطأ؛ فالمسألة ليست مجرد راو ثقة زاد لفظ «قال رسول الله ﷺ»، بل وقع اختلاف محفوظ في الرفع والوقف وفي رجال الإسناد، ثم نص أبو حاتم وأبو زرعة على أن المرفوع خطأ وأن الموقوف هو الصحيح، ونص الدارقطني بعد جمع الاختلاف على أن «رفعه لا يثبت»، وقال العقيلي إنه «لا يصح في الباب مسندًا». وهذه قرائن مخصوصة مقدمة على مجرد قبول الزيادة باعتبار ظاهر الإسناد.
فالحديث روي عن عائشة من عدة أوجه: طريق عثمان بن واقد عن أبيه جاء مرفوعًا، فأعله أبو حاتم وأبو زرعة وحكما عليه بالخطأ؛ وطريق شعبة عن واقد اضطرب فيه في الرفع والوقف وفي الواسطة، وانتهى الدارقطني إلى أن رفعه لا يثبت؛ وطريق هشام بن عروة روي مرفوعًا من طريق ضعيف، وثبت موقوفًا من طريق سفيان الثوري، وهو من أثبت الناس، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. ويؤكد ذلك قول العقيلي: «لا يصح في الباب مسندًا، وهو موقوف من قول عائشة». أما شاهد ابن عباس فلا ينهض؛ لما في جَبْرون بن عيسى من ضعف. فالراجح على طريقة أئمة العلل أن رفع الحديث لا يثبت، والمحفوظ وصية عائشة رضي الله عنها لمعاوية موقوفة عليها، ومعناها صحيح عظيم.
المصادر والمراجع
1الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (1/ 510 رقم 276)
2مسند الشهاب (1/ 300 رقم 499 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
3مسند الشهاب (1/ 300 رقم 499 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
4علل ابن أبي حاتم (5/ 59 رقم 1800 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
5المنتخب من مسند عبد بن حميد (2/ 379 رقم 1522 ت مصطفى العدوي)
6المنتخب من مسند عبد بن حميد (2/ 379 رقم 1522 ت مصطفى العدوي)
7العلل الكبير للترمذي (ص332 رقم 616 ت صبحي السامرائي وأبي المعاطي النوري ومحمود خليل الصعيدي)
8علل الدارقطني (14/ 182 رقم 3524 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
9العلل الكبير للترمذي (ص333 رقم 616 ت صبحي السامرائي وأبي المعاطي النوري ومحمود خليل الصعيدي)
10سنن الترمذي (4/ 214 رقم 2414 ت بشار)
11الزهد والرقائق لابن المبارك (ص66 رقم 199 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
12سنن الترمذي (4/ 214 رقم 2414 ت بشار)
13الضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 343 ت عبد المعطي أمين قلعجي)
14الضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 343 ت عبد المعطي أمين قلعجي)
15علل ابن أبي حاتم (5/ 90 رقم 1827 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
16المعجم الكبير للطبراني (11/ 268 رقم 11696 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
17المعجم الكبير للطبراني (11/ 268 رقم 11696 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
18الإصابة في تمييز الصحابة (7/ 102)
شرح الحديث
(مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ) أي قصد بطاعته وعمله مرضاة الله، فلم يترك الحق ولم يرتكب المعصية لأجل استرضاء الخلق، ولو غضبوا منه بسبب تمسكه بما يرضي الله. (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أي كان طلبه لرضا ربه سببًا لرضوان الله عنه، وهذا اللفظ لا يثبت مرفوعًا على الراجح، وإن كان معناه ثابتًا بأصول الشرع. (وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ) أي جعل الله له من القبول وحسن العاقبة ما يغنيه عن تكلّف استرضاء الخلق بمعصيته، وليس معناه أن كل إنسان لا بد أن يرضى عنه في كل وقت؛ فقد يسخط أهل الباطل على أهل الحق، وإنما العبرة بالعاقبة والقبول الذي يجعله الله لعبده. (وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ) أي قدّم رضا المخلوقين على أمر الله، ففعل ما يسخط الله أو ترك ما أوجب الله خوفًا من الناس أو طمعًا في مدحهم وقبولهم. (سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ) أي عرّض نفسه لسخط ربه بسبب تقديمه رضا الخلق على رضاه. (وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ) أي إن من جعل الخلق غايته وخالف أمر الله لأجلهم لم يملك قلوبهم، وقد تنقلب مودتهم ذمًا وسخطًا، كما جاء في اللفظ الموقوف عن عائشة، ويكون قد خسر رضا ربه ولم يضمن رضا الخلق.