تخريج حديث 2099: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ،…»
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ.”
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ.”
احتج به مسلم،1 وصحح الدارقطني الطريق الآخر عن قتادة، فقال بعد ذكر الاختلاف عليه: «والصحيح حديث قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن أبي هريرة، وحديث قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل».2
لكن قال الشافعي في أصل حديث قطع الصلاة بالمرأة والكلب والحمار: «وهو عندنا غير محفوظ»، ورأى أن الأحاديث الدالة على عدم فساد الصلاة بمرور غير المصلي أثبت منه.3
رواه مسلم،1 والبيهقي،2 من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عُبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا باللفظ المذكور. وقد وقع في اسم ابن الأصم اختلاف في النسخ؛ ففي المطبوعة المشهورة من صحيح مسلم: «عُبيد الله بن عبد الله بن الأصم»، بينما ساق المزي هذا الحديث بعينه من طريق عبد الواحد بن زياد فقال: «عبد الله بن عبد الله بن الأصم».3 والمزي جعل هذا الحديث من حديث عبد الله، لا أخيه عبيد الله.
وعبد الله بن عبد الله بن الأصم أخو عبيد الله، وثقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: «شيخ»، وذكره ابن حبان في الثقات.4 وقد ذكر البخاري في «التاريخ الكبير» رواية عبد الواحد بن زياد عنه عن يزيد بن الأصم، مما يقوي أن «عبد الله» محفوظ في بعض طرق عبد الواحد.5
ورواه أحمد،6 وابن ماجه،7 وإسحاق بن راهويه من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه هشام الدَّسْتُوائي، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ» دون قوله: «ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل».8
ورواه أحمد أيضًا من طريق إسماعيل ابن عُلَيَّة، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، موقوفًا في اللفظ، وقال هشام: «ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ».9 ففي هذه الرواية سقط سعد بن هشام، ووقع التردد في رفع الخبر.
وقد وقع اختلاف كثير على قتادة في هذا الحديث؛ فروي عنه عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن أبي هريرة، وروي عنه بإسقاط سعد، وروي عنه عن الحسن، عن عبد الله بن مُغَفَّل. ونظر الدارقطني في هذه الوجوه ثم رجح فقال: «والصحيح حديث قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن أبي هريرة، وحديث قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل».10 فطريق سعد بن هشام عن أبي هريرة عند الدارقطني هو الوجه المحفوظ من هذا الاختلاف، لا الوجه الذي أسقط سعدًا.
وقد توقف ابن رجب في بعض اختلافات طريق قتادة، ونقل أن في إسناده اختلافًا في الرفع والوقف وفي ذكر سعد بن هشام، ثم نقل عن الدارقطني أن الصحيح ذكر سعد. وإنما هذا الكلام في طريق قتادة، ولا يقدح وحده في أصل حديث أبي هريرة؛ لأن له الطريق الآخر المستقل عن يزيد بن الأصم الذي احتج به مسلم.
وله شاهد صحيح من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ...» رواه مسلم.11 وهذا الشاهد يوافق حديث أبي هريرة في الثلاثة، وفي أن وجود سترة بقدر مؤخرة الرحل يقي من القطع، وزاد تقييد الكلب بالأسود.
وله شاهد آخر من حديث عبد الله بن مُغَفَّل رضي الله عنه؛ رواه أحمد،12 وابن ماجه،13 وابن حبان،14 من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، مرفوعًا: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ». وقد رجح الدارقطني هذا الوجه أيضًا عن قتادة.15
وأما ما رواه عُبَيس بن ميمون، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا بزيادة: «واليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير»، فقد أنكره أبو زرعة فقال: «هذا حديث منكر، وعبيس شيخ ضعيف الحديث».16 فلا تثبت هذه الزيادات، ولا تدخل في الحديث الصحيح.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها وفيه أنها لما بلغها قول من يقول إن المرأة والكلب والحمار تقطع الصلاة أنكرت ذلك وقالت: «عَدَلْتُمُونَا بِالْكِلَابِ وَالْحَمِيرِ»، وذكرت أن النبي ﷺ كان يصلي وهي مضطجعة بينه وبين القبلة. رواه البخاري،17 ومسلم،18
لكن حديث عائشة لا يقتضي رد حديث أبي هريرة؛ لأن محل حديث القطع هو مرور المذكورات بين المصلي وسترته عند عدم ما يقيه، وأما عائشة فكانت مضطجعة ثابتة بين يديه، لا مارة بين يديه؛ بل ذكرت أنها إذا احتاجت انسلّت من جهة رجلي السرير كراهة أن تستقبله، فوجود المرأة أمام المصلي غير مرورها بين يديه. ومن هنا لا يلزم التعارض الذي بنى عليه الشافعي تضعيف الحديث.
فالحديث عن أبي هريرة ثابت من طريق يزيد بن الأصم الذي احتج به مسلم، وله طريق مستقل من حديث قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن أبي هريرة، وقد رجح الدارقطني هذا الوجه مع كثرة الاختلاف على قتادة، ويشهد له حديث أبي ذر الصحيح، وحديث عبد الله بن مغفل.
وأما تضعيف الشافعي فمبناه على معارضة الحديث عنده لأحاديث عائشة وابن عباس وغيرها، وهذه المعارضة غير لازمة؛ إذ يمكن الجمع بينها من جهة الفرق بين وجود المرأة أمام المصلي وبين المرور، وبين المرور أمام الإمام والمرور خلف سترته أو بين صفوف المأمومين. لذلك فالراجح أن الحديث مرفوع صحيح، وتصحيح مسلم له مؤيد بالطرق والشواهد، وليس قائمًا على إسناد فرد لا متابع له.
(يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) أي يحصل بمرور ما ذكر بين المصلي وموضع سترته القطع الذي أخبر به النبي ﷺ، واختلف العلماء هل المراد به إبطال الصلاة أو قطع كمالها وخشوعها (الْمَرْأَةُ) أي مرور المرأة بين يدي المصلي في الموضع الذي يتعلق به حكم السترة، وليس مجرد وجودها أمامه؛ فإن عائشة رضي الله عنها كانت تضطجع بين النبي ﷺ وبين القبلة وهو يصلي. (وَالْحِمَارُ) أي مرور الحمار بين يدي المصلي على الوجه المذكور. (وَالْكَلْبُ) جاء هنا مطلقًا، وجاء في حديث أبي ذر الصحيح تقييده بـ«الكلب الأسود»، وهو زيادة محفوظة في حديث أبي ذر. (وَيَقِي ذَلِكَ) أي يمنع أثر مرور هذه الأشياء في الصلاة إذا كانت للمصلي سترة معتبرة. (مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ) مؤخرة الرحل هي العود المرتفع في مؤخر رحل البعير، والمراد أن تكون أمام المصلي سترة تقارب هذا القدر في الارتفاع. وطول السترة يكون بقدر مُؤْخِرَة الرَّحْل، وهي العود الذي يكون في آخر الرحل خلف الراكب على البعير. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي، فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ».1
وقد اختلف الفقهاء في مقدارها؛ فالحنفية قالوا: طولها ذراع، وغلظها غلظ إصبع.2 والمالكية قالوا: طولها ذراع فأكثر، وغلظها كغلظ الرمح.3 والشافعية قالوا: ارتفاعها قدر ثلثي ذراع فأكثر، ولا حد لغلظها.4 وأما الحنابلة فقالوا: طولها ذراع أو نحوه، وما قارب الذراع أجزأ، ولو كان أقل منه قليلًا.5
والذراع مقياس قديم اختلف تقديره، ويقارب في بعض الحسابات المعاصرة 46 سم، وليس ذلك مقدارًا متفقًا عليه عند جميع المذاهب. والراجح أن مقدار السترة على سبيل التقريب لا التحديد؛ لأن النبي ﷺ قدَّرها بمؤخرة الرحل، وهي تختلف طولًا وقصرًا، فما قارب الذراع أجزأ.6
فإن قيل: كيف جمع النبي ﷺ المرأة مع الحمار والكلب في حديث قطع الصلاة؟. أليس في ذلك إهانة لها؟.
الجواب: من أعظم الجهل باللغة والشرع أن يُجعل الاشتراك في حكمٍ اشتراكًا في القدر والكرامة، وأن يُحمَّل العطف بالواو ما لا يحتمل؛ فالنبي ﷺ قال: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل» 1. ولم يقل إن المرأة كالحمار والكلب في حقيقتها أو منزلتها، وإنما جمع بينها في حكم مخصوص يتعلق بالصلاة، والاشتراك في الحكم لا يقتضي المساواة في القدر.
بل القرآن أصرح في هذا الباب، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ 2 فجمع الله بين الإنسان والدواب والشجر والجبال والشمس والقمر في السجود له، فهل يقول عاقل إن الله ساوى بين الإنسان والحمار والشجر والحجر في الكرامة لمجرد جمعها في حكم واحد؟!.
بل لكل مخلوق سجود يليق به، مع اختلاف حقائقها ومنازلها، فإذا كان الاشتراك في السجود لله لا يقتضي التساوي في القدر، فكيف يُجعل الاشتراك في حكم متعلق بالصلاة مساواةً بين المرأة والحمار والكلب؟! وقال تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ 3 فجمع بين الإنسان والأنعام في الانتفاع بما أخرجه من الأرض، ولم يجعل اشتراكهما في الانتفاع مساواةً بينهما في المنزلة.
وهذا عمار بن ياسر رضي الله عنه، من السابقين إلى الإسلام، يقول لما أجنب ولم يجد الماء: «فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة».4 فشبّه فعل نفسه بفعل الدابة، ولم يكن ذلك امتهانًا لنفسه ولا مساواةً لها بالبهائم؛ لأن التشبيه وقع في هيئة التمرغ، لا في الدين والعقل والكرامة، فإذا كان الصحابي يشبّه فعل نفسه بفعل الدابة ولا يلزم من ذلك انتقاصه، فكيف يُجعل مجرد الاشتراك في حكم الصلاة انتقاصًا للمرأة؟!.
وفي الحديث نفسه ما يكشف فساد الشبهة؛ فإن النبي ﷺ قال: «ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل»، فجعل السترة مانعة من أثر المرور، فلو كان الحديث حكمًا على كرامة المرأة، فكيف يمنع أثره وضع سترة أمام المصلي؟! وإنما هو حكم متعلق بالصلاة، لا حكم على قيمة الإنسان.
وأما قول عائشة رضي الله عنها لما ذُكر عندها ما يقطع الصلاة: «قد جعلتمونا كلابًا».5 فقد أنكرت ذلك، واحتجت بأنها كانت تضطجع بين النبي ﷺ وبين القبلة وهو يصلي. لكن من أخذ بحديث القطع فرّق بين الاضطجاع أمام المصلي والمرور بين يديه، فهما صورتان مختلفتان، وقد اختلف الفقهاء في حكم قطع الصلاة، لا في كرامة المرأة.
فمن جعل مجرد الجمع بين المرأة والحمار والكلب إهانةً لها، لزمه أن يجعل جمع الإنسان مع الدواب والشجر والجبال في القرآن إهانةً للإنسان! وهذا باطل لا يقول به عاقل. وليست كرامة الإنسان معلقةً بحرف عطف، ولا تُقاس منزلته بما يشاركه من المخلوقات في حكم؛ فإن الأحكام تُبنى على معانيها، لا على توهُّم المساواة بين المذكورات فيها. ومن لم يفرق بين الاشتراك في الحكم والتساوي في الكرامة، لم يفهم دلالة الكلام، وإنما خاصم معنىً اخترعه، ثم نسبه إلى الشرع.