قال العلائي في الإسناد المذكور: «سفيان بن وكيع ضعيف تكلم فيه جماعة»، ثم قال: «ولا يوجد في شيء من كتب الحديث مسند معتمد أن عبد الرحمن بن عوف عرض ذلك أولًا على علي فلم يقبله، ثم عرضه على عثمان فقبله»، وقرر أن «الذي رواه البخاري وغيره هو الصحيح».1 وقال ابن حجر: «في سفيان بن وكيع ضعف».2 وقال الهيثمي: «فيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف جدًا».3 وقال محققو المسند: «إسناده ضعيف».4 وضعفه أحمد شاكر.5
المصادر والمراجع
1إجمال الإصابة في أقوال الصحابة (ص63 ت محمد سليمان الأشقر)
2موافقة الخبر الخبر (2/ 433 ت حمدي عبد المجيد السلفي وصبحي السيد جاسم السامرائي)
3مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/ 188 ت حسام الدين القدسي)
4مسند أحمد (1/ 560 رقم 557 ط الرسالة)
5مسند أحمد (1/ 402 ت أحمد شاكر رقم 557)
تخريج الحديث
رواه عبد الله بن أحمد في زوائد «المسند»،1 وابن عساكر،2 وابن الجوزي،3 من طريق سفيان بن وكيع الرُّؤاسي، عن قَبِيصة بن عُقبة، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي وائل شَقِيق بن سَلَمة، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، به. ورواه ابن حجر من الطريق نفسه.4
ومدار علة هذا الإسناد على سفيان بن وكيع بن الجراح الرُّؤاسي، وقد كان في أصله صدوقًا، ثم أفسد وراقه حديثه؛ فأدخل عليه ما ليس من حديثه، ونُصح أن يطرح تلك الأحاديث ويقتصر على أصوله فلم يفعل. قال أبو زرعة: «لا يشتغل به»، وقال أبو حاتم: «لين»، وقال النسائي: «ليس بشيء»، وقال ابن حبان: كان شيخًا فاضلًا صدوقًا، لكنه ابتلي بوراق سوء يدخل عليه الحديث، فلما لم يرجع عما أُدخل عليه استحق الترك، وقال ابن عدي: «إنما بلاؤه أنه كان يتلقن ما لقن».5 ولهذا لم يحتمل الأئمة تفرده بهذا السياق.
وبقية رجال الطريق معروفون؛ فقَبِيصة بن عُقبة ثقة، وأبو بكر بن عياش صدوق مشهور، وعاصم بن أبي النَّجود صدوق، وأبو وائل من كبار التابعين وقد أدرك عبد الرحمن بن عوف، فلا تظهر في الطريق علة أقوى من سفيان بن وكيع. ولهذا كان تعليل العلائي وابن حجر والهيثمي له به متجهًا.
وروي سياق قريب من طريق المسور بن مخرمة، رواه ابن عساكر من طريق أبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، عن عمران بن عبد العزيز الزهري، عن عمر بن سعيد بن سُريج ومحمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور، عن أبيه المسور، وفيه أن عبد الرحمن قال لعلي: «هل أنت يا علي مبايعي إن وليتك هذا الأمر على سنة الله وسنة رسوله... وسنة الماضين قبلي؟» فقال: «لا، ولكني على طاقتي»، ثم عرض ذلك على عثمان فقبله.6
لكن هذا الطريق لا يصلح لتقوية السياق المذكور؛ لأن مداره على عمران بن عبد العزيز الزهري، وهو ضعيف شديد الضعف عند النقاد؛ قال أبو حاتم: «ليس هو عندي بالمتين، يتكلم فيه، ضعيف الحديث، منكر الحديث»، وقال البخاري: «منكر الحديث»، وقال ابن معين: «ليس بثقة».7 كما أن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف متكلم فيه، فلا ينهض هذا الطريق لمعارضة الطريق الصحيح المحفوظ في البخاري.
وأما المحفوظ الصحيح في أصل القصة فرواه البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه، في قصة الشورى، وفي آخره أن عبد الرحمن قال بعد أن أخبر عليًا أن الناس لا يعدلون بعثمان: «أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ»، فبايع عثمان، وبايعه المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون.8 وهذا إسناد صحيح ثابت، لكنه لا يتضمن أن عبد الرحمن عرض البيعة أولًا على علي فامتنع من الالتزام بسيرة الشيخين ثم عرضها على عثمان.
فالأثر الذي معنا يدور على سفيان بن وكيع، وهو ضعيف بعد أن أفسد وراقه حديثه، وقد ضعفه بهذا السبب العلائي وابن حجر والهيثمي ومحققو المسند، والطريق الآخر الذي يذكر عرض الشرط على علي ثم عثمان شديد الضعف ولا يصلح متابعًا. وقد نص العلائي نفسه على أن هذا التفصيل لا يعرف من إسناد معتمد، وأن الصحيح هو ما رواه البخاري. فالمحفوظ أن عبد الرحمن بن عوف بايع عثمان رضي الله عنه على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، وأما خصوص قوله: «بدأت بعلي... فقال: فيما استطعت، ثم عرضتها على عثمان فقبلها» فلا يثبت بإسناد تقوم به الحجة.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (1/ 560 رقم 557 ط الرسالة)
2تاريخ دمشق (39/ 202)
3المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (4/ 337)
4موافقة الخبر الخبر (2/ 433 ت حمدي عبد المجيد السلفي وصبحي السيد جاسم السامرائي)
5تهذيب الكمال (11/ 203 ت بشار)
6تاريخ دمشق (39/ 194-195)
7الجرح والتعديل (6/ 301 ط دائرة المعارف العثمانية)
8صحيح البخاري (9/ 78 رقم 7207 ط السلطانية)
شرح الحديث
(كَيْفَ بَايَعْتُمْ عُثْمَانَ وَتَرَكْتُمْ عَلِيًّا؟) أي سأل أبو وائل عبد الرحمن بن عوف عن سبب انتهاء الشورى إلى عثمان دون علي رضي الله عنهما. (مَا ذَنْبِي؟) أي لست متهمًا بمحاباة عثمان أو الإعراض عن علي، بحسب هذا السياق. (قَدْ بَدَأْتُ بِعَلِيٍّ) أي عرضت الأمر عليه أولًا، وهذه الزيادة لا تثبت بهذا التفصيل كما تقدم. (أُبَايِعُكَ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) أي على التزام حكم الكتاب والسنة والسير في الخلافة على ما كان عليه الشيخان من العدل والسياسة الشرعية، وأصل اشتراط سنة الخليفتين في بيعة عثمان ثابت في الصحيح. (فِيمَا اسْتَطَعْتُ) أي ألتزم ذلك بقدر القدرة والطاقة، وهذا القيد في جواب علي إنما جاء في الطريق الضعيف. (ثُمَّ عَرَضْتُهَا عَلَى عُثْمَانَ فَقَبِلَهَا) أي زعم هذا الطريق أن عثمان قبل الشرط بلا ذلك القيد، وأما الثابت في الصحيح فهو وقوع البيعة لعثمان على سنة الله ورسوله والخليفتين، دون ثبوت هذه المقابلة التفصيلية بين جوابي علي وعثمان.