قال الترمذي: «هذا حديث غريب».1 وأخرجه ابن عدي في مناكير عبد الرحمن بن إسحاق، وقال: «في بعض ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه، وتكلم السلف فيه».2 وقال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يصح، والمتهم به عبد الرحمن بن إسحاق».3 وتعقب ابن حجر إدخال ابن الجوزي له في الموضوعات، وذكر له شاهدًا من حديث جابر.4 وقال ابن القيسراني فيه: «أبو شيبة عبد الرحمن بن إسحاق متروك الحديث».5 وأشار المنذري إلى أن الحديث لا يتطرق إليه احتمال التحسين.6 وضعفه الألباني،7 وقال شعيب الأرناؤوط: «إسناده ضعيف».8 وضعفه أحمد شاكر.9
المصادر والمراجع
1سنن الترمذي (4/ 310 رقم 2550 ت بشار)
2الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 497)
3الموضوعات (3/ 584)
4القول المسدد في الذب عن المسند (ص167-168)
5ذخيرة الحفاظ (2/ 940)
6الترغيب والترهيب (4/ 394)
7ضعيف الترمذي (رقم 2550)
8سير أعلام النبلاء (11/ 396-397 ت شعيب الأرناؤوط)
9مسند أحمد (2/ 154 ت أحمد شاكر رقم 1342)
تخريج الحديث
رواه ابن أبي شيبة،1 وأحمد،2 والترمذي،3 وأبو يعلى،4 والبزار،5 من طريق أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن عبد الرحمن بن إسحاق أبي شيبة الواسطي، عن النعمان بن سعد، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مرفوعًا. وعند أحمد وابن أبي شيبة وأبي يعلى والبزار زيادة في اجتماع الحور العين وقولهن: «نحن الخالدات فلا نبيد...» إلى آخره.
ورواه أبو نعيم من طريق علي بن مُسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي مرفوعًا، بلفظ: «إن في الجنة لسوقًا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء، من اشتهى صورة دخل فيها».6 فرفع الحديث لم ينفرد به أبو معاوية وحده، بل تابعه علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق.
لكن خالفهما محمد بن فضيل، فرواه عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي موقوفًا، وقد نُص على هذا الاختلاف فقيل: «هذا الحديث رفعه أبو معاوية، ووقفه ابن فضيل».7 وكذلك رواه عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي موقوفًا، وأخرجه البزار عقب المرفوع ونبه على الاختلاف.8
فالحديث قد اختلف فيه على عبد الرحمن بن إسحاق نفسه: رفعه عنه أبو معاوية وعلي بن مسهر، ووقفه محمد بن فضيل وعبد الواحد بن زياد، وكل هؤلاء معروفون بالرواية عنه. وهذا اختلاف لا يصح إهماله، وإن كان أصل الطريق ضعيفًا من جهة عبد الرحمن نفسه.
ومدار الحديث على عبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث، أبي شيبة الواسطي، وهو ضعيف عند النقاد؛ قال أحمد: «ليس بشيء، منكر الحديث»، وقال يحيى بن معين: «ضعيف، ليس بشيء»، وقال أبو زرعة: «ليس بقوي»، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به».9 وقال البخاري: «فيه نظر»، وقال أبو داود والنسائي وابن حبان بضعفه، وقال ابن خزيمة: «لا يحتج بحديثه».10
وشيخه النعمان بن سعد بن حِبْتَة، ويقال: ابن حِبْتَر، الأنصاري الكوفي، قليل الرواية، لم يرو عنه إلا ابن أخته عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الكوفي. قال أبو حاتم: «ولم يرو عنه غيره»، وذكره ابن حبان في الثقات، كما نقل المزي11. ولم يذكر المزي في توثيقه سوى إدراج ابن حبان له في الثقات، مع تفرد راوٍ ضعيف بالرواية عنه. ولهذا قال ابن حجر12 :«والراوي عنه ضعيف كما تقدم، فلا يحتج بخبره». فالنعمان مجهول الحال على الراجح، ولا يثبت حديثه بهذا الطريق.
وهذه علة أخرى في الطريق؛ فليس الحديث ضعيفًا بعبد الرحمن بن إسحاق وحده، بل النعمان بن سعد نفسه مستور الحال، لم يرو عنه سوى ابن أخته عبد الرحمن، ولم يوثقه توثيقًا معتبرًا سوى ابن حبان. ولهذا فالإسناد لا يصلح للتحسين بمجرده.
وجاء للحديث شاهد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، رواه الطبراني،13 وأبو نعيم،14 من طريق أحمد بن محمد بن طريف البجلي، عن أبيه، عن محمد بن كثير الكوفي، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، وعند أبي نعيم: عن أبي جعفر، عن علي بن الحسين، عن جابر، مرفوعًا: «إن في الجنة لسوقًا ما يباع فيها ولا يشترى، ليس فيها إلا الصور، فمن أحب صورة من رجل أو امرأة دخل فيها». وقال الطبراني: «لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن محمد بن طريف».15
وهذا الشاهد شديد الضعف؛ ففيه محمد بن كثير الكوفي وجابر بن يزيد الجعفي، وقال الهيثمي: «كلاهما ضعيف جدًا».16 وقال ابن كثير في إسناده: «فيه جابر بن يزيد الجعفي ضعيف».17
وقد استشهد ابن حجر بهذا الطريق في رد حكم ابن الجوزي بالوضع، وهذا متجه من جهة أن وجود أصل آخر للخبر يمنع الجزم بأن عبد الرحمن بن إسحاق اختلقه؛ لكنه لا يلزم منه أن الحديث حسن أو ثابت، لأن شاهد جابر نفسه شديد الضعف. فالفرق ظاهر بين دفع الحكم بالوضع وبين إثبات الصحة أو الحسن.18
وأما أصل وجود سوق في الجنة فثابت صحيح من غير هذه الطرق؛ فقد احتج مسلم بحديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ...» وفيه أنهم يزدادون فيها حسنًا وجمالًا.19 فهذا يثبت أصل سوق الجنة، ولا يثبت الزيادة الخاصة: «إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها».
فحديث علي يدور على عبد الرحمن بن إسحاق أبي شيبة الواسطي، وهو ضعيف منكر الحديث عند أحمد وأبي حاتم، وشيخه النعمان بن سعد مستور لم يرو عنه غيره، ثم اختلف على عبد الرحمن في رفع الحديث ووقفه؛ فرفعه أبو معاوية وعلي بن مسهر، ووقفه محمد بن فضيل وعبد الواحد بن زياد. وشاهد جابر شديد الضعف، فلا يصلح لترقية الحديث، وإن كان يمنع التشدد في الحكم عليه بالوضع. وأما حديث أنس الصحيح فإنما يثبت أصل سوق الجنة، ولا يشهد لخصوص «الصور» ولا لقوله: «دخل فيها». فالراجح أن هذا اللفظ مرفوع ضعيف، ولا يصح إثبات تبدل الصور في الجنة بهذا الخبر.
المصادر والمراجع
1مصنف ابن أبي شيبة (19/ 141 رقم 36677 ت سعد بن ناصر الشثري)
2مسند أحمد (2/ 451 رقم 1343 ط الرسالة)
3سنن الترمذي (4/ 310 رقم 2550 ت بشار)
4مسند أبي يعلى (1/ 232 رقم 268 ت حسين سليم أسد)
5البحر الزخار (2/ 282 رقم 703 ط مكتبة العلوم والحكم)
6صفة الجنة لأبي نعيم (2/ 257 رقم 419)
7سير أعلام النبلاء (11/ 397)
8البحر الزخار (2/ 282-283 رقم 703-704 ط مكتبة العلوم والحكم)
9الجرح والتعديل (5/ 213 رقم 1001 ط دائرة المعارف العثمانية)
10تهذيب الكمال (16/ 516-518 ت بشار)
11تهذيب الكمال (29/ 450 رقم 6442 ت بشار عواد معروف)
12تهذيب التهذيب (10/ 453 ط دائرة المعارف النظامية)
13المعجم الأوسط (6/ 18 رقم 5664 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
14صفة الجنة (2/ 257 رقم 419)
15المعجم الأوسط (6/ 18 رقم 5664 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
16مجمع الزوائد (8/ 151 ت حسام الدين القدسي)
17النهاية في الفتن والملاحم (2/ 311)
18القول المسدد في الذب عن المسند (ص167-168)
19صحيح مسلم (4/ 2178 رقم 2833 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
شرح الحديث
(إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا) السوق هنا على فرض ثبوت الحديث ليس محل تجارة كاسواق الدنيا، وإنما موضع اجتماع وتنعم لأهل الجنة، وأصل وجود سوق في الجنة ثابت في صحيح مسلم. (مَا فِيهَا شِرَاءٌ وَلَا بَيْعٌ) أي لا تقوم على المعاوضة بالمال والثمن؛ فأهل الجنة لهم فيها ما يشتهون بغير كسب ولا ثمن. (إِلَّا الصُّوَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) أي على ظاهر الرواية: صور وهيئات مستحسنة تعرض لأهل الجنة، لكن هذا اللفظ ضعيف فلا يجزم بتفاصيله. (فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا) فسره بعض الشراح بأن المراد أن تتغير هيئته إلى الهيئة التي أحبها، لا أنه يدخل في جسم شخص آخر حقيقة؛ لكن هذا كله مبني على حديث ضعيف، فلا تثبت به عقيدة في كيفية صور أهل الجنة.