قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».1 وأورده ابن حبان في «صحيحه»،2 وأورده المنذري بصيغة الجزم،3 وقال الألباني بعد تحرير حال مَرْثَد بن عبد الله: «وغايته أن يكون حسنًا لغيره».4 وحسنه ضياء الرحمن.5
المصادر والمراجع
1سنن الترمذي (3/ 404 رقم 1956 ت بشار)
2الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (2/ 286 رقم 529 ت شعيب الأرناؤوط)
3الترغيب والترهيب (3/ 365 ت إبراهيم شمس الدين)
4السلسلة الصحيحة (2/ 116 رقم 572 ط مكتبة المعارف)
5الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه (11/ 357)
تخريج الحديث
رواه الترمذي،1 ومحمد بن نصر المروزي،2 والبزار،3 والطبراني،4 وابن حبان،5 وابن عدي،6 من طريق النَّضْر بن محمد الجُرَشي اليمامي، عن عِكرمة بن عمار، عن أبي زُمَيْل سِماك بن الوليد الحنفي، عن مالك بن مَرْثَد، عن أبيه مَرْثَد بن عبد الله الزِّمَّاني، ويقال: الذِّماري، عن أبي ذر رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ الترمذي هو السياق المذكور، ونحوه عند محمد بن نصر وابن حبان، واختصره البزار والطبراني وابن عدي.
ولم ينفرد النَّضْر بن محمد برفعه عن عِكرمة بن عمار؛ فقد رواه عبد الله بن رجاء الغُداني عن عكرمة بالإسناد نفسه مرفوعًا، وفي روايته شيء من التردد إذ قال الراوي: «يرفعه، ثم قال بعد ذلك: لا أعلمه إلا رفعه»، وجاء فيه: «إفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة»، وزيد في بعض الروايات: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضالة صدقة». وقد صرح الطبراني بأن الذين رفعوه عن عكرمة ثلاثة: النَّضْر بن محمد الجُرَشي، وأبو حذيفة، وعبد الله بن رجاء الغُداني.7 فرفع الحديث محفوظ عن عكرمة من غير طريق النضر وحده، ولا يقدح فيه تردد وقع في لفظ بعض رواة طريق عبد الله بن رجاء.
ومدار هذا الإسناد بعد عكرمة على أبي زُمَيْل، عن مالك بن مَرْثَد، عن أبيه. وأبو زُمَيْل سِماك بن الوليد معروف، ومالك بن مَرْثَد ذكره ابن حبان في الثقات،8 وإنما موضع النظر في أبيه مَرْثَد بن عبد الله الزِّمَّاني؛ فقد روى عن أبي ذر، ولم يرو عنه فيما ذكر المزي إلا ابنه مالك.9 فالرجل قليل الرواية، وقد وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات، لكن قال العقيلي: «لا يتابع على حديثه»، وقال الذهبي: «فيه جهالة»، وقال ابن حجر: «مقبول». ولذلك فإسناد الحديث بمفرده لا يخلو من لين، ولا سيما مع تفرد مَرْثَد عن أبي ذر بهذا السياق.
وأما عِكرمة بن عمار فقد تكلم بعض النقاد في حفظه، ونقل المناوي في هذا الحديث عن أبي حاتم أنه «ثقة ربما يهم»، وعن أحمد أنه ضعفه، وعن البخاري أنه لم يكن له كتاب فاضطرب حديثه.10 إلا أن أشهر ما اشتد فيه الكلام روايته عن يحيى بن أبي كثير، وليس هذا الحديث منها؛ فهو هنا يرويه عن أبي زُمَيْل، وقد تابعه على رفع الخبر عنه أكثر من راو، فلا يظهر أن العلة الرئيسية في هذا الحديث من جهة عكرمة، وإنما مدار النظر على مَرْثَد بن عبد الله.
ويشهد لجملة معتبرة من الحديث حديث أبي ذر نفسه من طريق آخر؛ رواه أحمد من طريق عبد الملك بن عمرو، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام مَمْطور، عن أبي ذر، وفيه: «وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة والعظم والحجر عن طريق الناس، وتهدي الأعمى...».11 لكن هذا الطريق لا يصح جعله إسنادًا صحيحًا متصلًا؛ لأن أبا سلام مَمْطور أرسل عن أبي ذر كما نص ابن حجر.12 فهو شاهد مرسل لأجزاء من المتن، صالح للاعتبار، لا طريق صحيح مستقل.
وثبت عن أبي ذر نفسه بإسناد صحيح قوله ﷺ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ... وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ».13 وثبت في روايات أخرى عنه إماطة الأذى عن الطريق صدقة؛ فهذان اللفظان من حديث الباب ثابتان من غير طريق مَرْثَد أصلًا.
ولقوله: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» وقوله: «وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» شاهد صحيح في المعنى من حديث أبي جُرَيّ الهُجَيْمي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْبَسِطٌ».14
وجاء شاهد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بلفظ قريب يجمع التبسم، وإماطة الأذى، والأمر بالمعروف، وإرشاد الضال، رواه البزار والطبراني، لكن في إسناده يحيى بن أبي عطاء، وهو مجهول؛ ولذلك قال المنذري: «فيه يحيى بن أبي عطاء وهو مجهول».15 فلا يعتمد عليه وحده، لكنه يصلح أن يذكر في جملة الشواهد الضعيفة بعد ثبوت كثير من معاني الحديث من الطرق الأخرى.
وأما قول الترمذي عقب الحديث: «وفي الباب عن ابن مسعود، وجابر، وحذيفة، وعائشة، وأبي هريرة»، فلا يلزم منه أن أحاديث هؤلاء تشتمل على هذا السياق بجميع ألفاظه؛ وإنما تشهد لأبواب الصدقة وفعل المعروف ونحو ذلك، فلا ينبغي أن تجعل جميعها شواهد حرفية للمتن المركب.16
فالحديث بهذا السياق يدور على مَرْثَد بن عبد الله الزِّمَّاني عن أبي ذر، ومَرْثَد مختلف فيه، قليل الرواية، قال فيه العجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، لكن قال العقيلي: «لا يتابع على حديثه»، وقال الذهبي: «فيه جهالة»، وقال ابن حجر: «مقبول»؛ ولذلك لا يظهر أن طريقه يبلغ الصحة بنفسه. إلا أن ضعف الطريق محتمل، لا شديد، وقد ثبتت جمل كثيرة من الحديث من طرق مستقلة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإماطة الأذى في الصحيح، وثبت معنى البشاشة وإفراغ الماء من حديث أبي جُرَيّ، وجاء المرسل عن أبي سلام متضمنًا إرشاد الأعمى وإماطة الحجر والشوك، مع رواية ابن عمر الضعيفة القريبة من السياق؛ فهذه الشواهد تدفع ما يخشى من جهالة حال مَرْثَد. ولهذا كان قول الترمذي «حسن غريب» متجهًا، وأدق منه في اصطلاح الحكم أن يقال: الحديث مرفوع حسن لغيره.
المصادر والمراجع
1سنن الترمذي (3/ 404 رقم 1956 ت بشار)
2تعظيم قدر الصلاة (2/ 817 رقم 813 ت عبد الرحمن الفريوائي)
3البحر الزخار (9/ 457 رقم 4070 ط مكتبة العلوم والحكم)
4المعجم الأوسط (5/ 116 رقم 4840 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
5الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (2/ 286 رقم 529 ت شعيب الأرناؤوط)
6الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 275 ط دار الفكر)
7المعجم الأوسط (5/ 116 رقم 4840 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
8تهذيب الكمال (27/ 155 ت بشار)
9تهذيب الكمال (27/ 356 ت بشار)
10فيض القدير (3/ 227 ط المكتبة التجارية الكبرى)
11مسند أحمد (35/ 383 رقم 21484 ط الرسالة)
12تهذيب التهذيب (10/ 296 ط دائرة المعارف النظامية)
13صحيح مسلم (1/ 498 رقم 720 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
14مسند أحمد (34/ 236 رقم 20633 ط الرسالة)
15الترغيب والترهيب (3/ 365 ت إبراهيم شمس الدين)
16سنن الترمذي (3/ 404 رقم 1956 ت بشار)
شرح الحديث
(تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ) أي إن إظهار البشر وطلاقة الوجه للمسلم من المعروف الذي يؤجر عليه صاحبه، وسماه صدقة لما فيه من إدخال السرور وحسن المعاملة. (وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ) أي إن دلالة الناس على الطاعة ومنعهم من المعصية من وجوه الإحسان المتعدي، وقد ثبت هذا المعنى في صحيح مسلم من حديث أبي ذر نفسه.1(وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ) المراد بأرض الضلال هنا الأرض التي يضل فيها الطريق ويلتبس على المسافر وجهه، فإرشاده إلى سبيله من المعروف، وليس المراد الضلال الديني. (وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ) أي إعانتك ضعيف البصر وتبصيرك إياه بما يحتاج إلى رؤيته ومعرفته من الطريق وغيره. (وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ) أي إبعاد ما يؤذي المارة عن طريقهم إحسان يؤجر عليه العبد، والمراد بهذه الأشياء أمثلة لكل أذى في الطريق. (وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ) أي إعانتك أخاك بالماء وبذله له من المعروف، وإن كان العمل في ظاهره يسيرًا؛ فميزان الأجر ليس بكبر صورة العمل وحدها.
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (1/ 498 رقم 720 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
فوائد الحديث
من ضاق ماله عن الصدقة، فلا ينبغي أن يضيق قلبه عن الإحسان؛ فقد جعل الله في كل جارحة بابًا من أبواب الأجر؛ فابتسامة تُدخل السرور، وكلمة تأمر بمعروف وتنهى عن منكر، ودلالة تهدي ضالًّا، وعين تُبصر لأعمى، ويد ترفع الأذى عن الطريق، وماء تُعين به محتاجًا، كل ذلك صدقة. فالصدقة ليست عطاء المال وحده، بل بذل النفع للخلق، ومن عجزت يده عن الإنفاق لم يعجز لسانه عن الخير، ولا وجهه عن البِشر، ولا بدنه عن المعونة. وما أفقر من كثُر ماله وقلَّ إحسانه، وما أغنى من قلَّ ماله وعمَّ نفعه!.