احتج به البخاري،1 ومسلم،2 وقال الترمذي في الطريق الآخر عن أبي سعيد: «هذا حديث حسن صحيح».3 ورجح الدارقطني بعد ذكر الاختلاف فيه فقال: «والصحيح حديث أبي سعيد الخدري».4 وقال أبو الفضل الشهيد: «غير أن رفعه صحيح إلى النبي ﷺ».5
لكن قال ابن حبان عن طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد: «تنكبناه؛ لأنه ليس بمتصل»، واحتج برواية شجاع بن الوليد عن الأعمش أنه قال: «سمعتهم يذكرون عن أبي صالح».6 وقال أبو الفضل الشهيد في خصوص هذا الطريق: «ليس هو مما سمع الأعمش من أبي صالح»، وإن كان قد صحح رفع أصل الحديث كما تقدم.7
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (6/ 93 رقم 4730 ط السلطانية)
2صحيح مسلم (4/ 2188 رقم 2849 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3سنن الترمذي (رقم 2558 ت بشار)
4علل الدارقطني (رقم 2328)
5علل الأحاديث (ص132)
6صحيح ابن حبان (16/ 516-517 رقم 7474 ت شعيب الأرناؤوط)
7علل الأحاديث (ص132)
تخريج الحديث
رواه البخاري،1 ومسلم،2 وأحمد،3 من طرق عن سليمان بن مِهران الأعمش، عن أبي صالح ذكوان السَّمَّان، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، مرفوعًا. فرواه البخاري من طريق حفص بن غِياث، عن الأعمش، وفيه تصريح الأعمش بقوله: «حدثنا أبو صالح»، وهذا موضع مهم في الحكم على اتصال الطريق.4 ورواه مسلم من طريق أبي معاوية محمد بن خازم وجرير بن عبد الحميد، كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد.5
وقد وقع اختلاف على أبي صالح في تعيين الصحابي؛ فرواه أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأخرجه النسائي،6 بلفظ: «فيجاء بالموت في صورة كبش أملح». ورواه جماعة عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وهم: أبو معاوية وجرير والثوري ومحمد بن عبيد ويعلى بن عبيد وغيرهم، وبعد أن حكى الدارقطني الاختلاف رجح فقال: «والصحيح حديث أبي سعيد الخدري».7 فالمحفوظ عن أبي صالح في هذا الخبر حديث أبي سعيد، وأما وجه أبي هريرة عن الأعمش فمرجوح من جهة هذا الاختلاف.
وقد أعل ابن حبان اتصال رواية الأعمش عن أبي صالح في هذا الحديث خاصة؛ فقال: «خبر الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد: يجاء بالموت كأنه كبش أملح، تنكبناه؛ لأنه ليس بمتصل»، ثم ساق عن شجاع بن الوليد، عن الأعمش قوله: «سمعتهم يذكرون عن أبي صالح».8 وهذه علة مخصوصة بالحديث، لا دعوى عامة بانقطاع رواية الأعمش عن أبي صالح.
لكن يقابل ذلك أن حفص بن غياث، وهو من الحفاظ المعروفين بحديث الأعمش، رواه عنه في «صحيح البخاري» بلفظ صريح: «حدثنا أبو صالح»،9 فبين الطريقين تعارض في إثبات السماع في خصوص هذا الخبر؛ وقد اختار البخاري ثبوته، وأخرجه مسلم، ثم رجح الدارقطني بعد جمع الاختلاف أن الصحيح حديث أبي سعيد.
ولا يتوقف أصل الحديث على هذا الطريق وحده؛ فقد ثبت أصل ذبح الموت من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، رواه البخاري،10 ومسلم،11 من طريق عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر، مرفوعًا: «إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ...» وليس فيه وصف الكبش، لكنه يثبت أصل الإتيان بالموت وذبحه والنداء بعدم الموت ثبوتًا مستقلًا صحيحًا.
ولخصوص صورة «الكبش الأملح» شاهد مستقل من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه؛ رواه أبو يعلى،12 من طريق نافع بن خالد الطَّاحي، عن نوح بن قيس، عن أخيه خالد بن قيس، عن قتادة، عن أنس، مرفوعًا: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ...». وقال الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح غير نافع بن خالد الطاحي وهو ثقة».13 وقال البوصيري: «أسانيدهم صحاح».14 وهذا شاهد قوي لخصوص تصوير الموت في هيئة الكبش الأملح من غير طريق الأعمش عن أبي صالح.
ورواه الترمذي من طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية العَوفي، عن أبي سعيد، مرفوعًا: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُتِيَ بِالْمَوْتِ كَالْكَبْشِ الْأَمْلَحِ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُذْبَحُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ...» وقال: «هذا حديث حسن صحيح».15 وهذه الطريق بمفردها لا تخلو من ضعف من جهة عطية العوفي، ولكنها متابعة لأصل محفوظ ثابت من غيرها.
وروي أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بغير طريق الأعمش؛ فروى أحمد من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ...» ثم ذكر ذبحه والخلود.16 فهذا شاهد صحيح المعنى لأصل القصة وإن اختلف لفظه في موضع إيقاف الموت.
فالحديث من رواية أبي سعيد يدور على الأعمش، عن أبي صالح، وقد أعل ابن حبان وأبو الفضل الشهيد سماع الأعمش لهذا الخبر بعينه من أبي صالح، اعتمادًا على رواية شجاع عنه: «سمعتهم يذكرون عن أبي صالح». لكن رواية حفص بن غياث في «صحيح البخاري» جاءت بالتصريح: «حدثنا أبو صالح»، وقد احتج بها البخاري، وأخرج أصل الطريق مسلم، ورجح الدارقطني بعد جمع أوجه الاختلاف أن الصحيح حديث أبي سعيد. ثم إن أصل الإتيان بالموت وذبحه ثابت مستقلًا من حديث ابن عمر في الصحيحين، وخصوص هيئة «الكبش الأملح» محفوظة كذلك من حديث أنس بإسناد قوي، ومن طرق أخرى عن أبي سعيد. فالراجح أن الحديث مرفوع صحيح، وأن تعليل ابن حبان لا يقدح في ثبوت المتن بعد مجموع هذه الطرق، وإن كان تنبيهه على اختلاف السماع في طريق الأعمش فائدة عِللية ينبغي إثباتها وعدم إغفالها.
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (6/ 93 رقم 4730 ط السلطانية)
2صحيح مسلم (4/ 2188 رقم 2849 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3مسند أحمد (رقم 11066 ط الرسالة)
4صحيح البخاري (6/ 93 رقم 4730 ط السلطانية)
5صحيح مسلم (4/ 2188 رقم 2849 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
6السنن الكبرى للنسائي (10/ 168-169 رقم 11255 ط الرسالة)
7علل الدارقطني (رقم 2328)
8صحيح ابن حبان (16/ 516-517 رقم 7474 ت شعيب الأرناؤوط)
9صحيح البخاري (6/ 93 رقم 4730 ط السلطانية)
10صحيح البخاري (8/ 113 رقم 6548 ط السلطانية)
11صحيح مسلم (4/ 2189 رقم 2850 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
12مسند أبي يعلى (5/ 278 رقم 2898 ت حسين سليم أسد)
13مجمع الزوائد (10/ 398 ت حسام الدين القدسي)
14إتحاف الخيرة المهرة (8/ 276)
15سنن الترمذي (رقم 2558 ت بشار)
16مسند أحمد (رقم 7537 ط الرسالة)
شرح الحديث
(يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ) أي يُمثَّل الموت يوم القيامة في صورة محسوسة يراها أهل الجنة وأهل النار، والكبش الأملح هو الذي في لونه بياض وسواد، ولا يراد به مَلَك الموت، بل الموت نفسه الذي خلقه الله، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. (فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ) أي يناديهم ليشهدوا انقطاع الموت عنهم إلى الأبد. (فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ) أي يرفعون رؤوسهم ويمدون أعناقهم للنظر. (هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ) أي يعرفونه بما يجعل الله لهم من المعرفة به في تلك الصورة. (وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ) أي عرف أثر الموت وعاينه في الدنيا عند موت الخلق، وليس المراد بالضرورة أنهم رأوا هذه الصورة نفسها في الدنيا. (ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ) ليشهدوا كذلك انقطاع رجائهم في الموت والخلاص من العذاب. (فَيُذْبَحُ) أي يذبح ذلك الممثَّل للموت حقيقة كما جاء الخبر، إيذانًا بانقطاع الموت وانتهاء زمنه. (يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ) أي بقاء أبدي في النعيم لا يلحقه فناء ولا انقطاع. (وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ) المراد أهل النار الذين كتب عليهم الخلود من الكفار، أما عصاة الموحدين فقد ثبتت النصوص بخروج من شاء الله إخراجه منهم. (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾) فذبح الموت من أعظم ما يتحقق به قضاء الأمر؛ إذ ينقطع بعده رجاء الكافر في نهاية العذاب، ويستيقن أهل الجنة دوام النعيم.
فوائد الحديث
في الدنيا يهرب الغافل من ذكر الموت؛ لأنه يقطع عليه لذاته، وفي الآخرة يتمنى أهل النار الموت؛ لأنه يقطع عنهم عذابهم، فلا يجدونه! يُذبح الموت أمام الفريقين، فيكون ذبحه تمام النعيم لأهل الجنة، وتمام الحسرة لأهل النار! وأعجب من ذلك أن من كان يكره ذكر الموت في الدنيا قد يصبح أشد الناس طلبًا له في الآخرة! فأعظم الحسرة أن ينتهي زمن العمل، ولا ينتهي زمن الجزاء؛ وأن تكون الشهوة قد انقضت، وعقوبتها لا تنقضي!