تخريج حديث 2110: «حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ.»
يروى عن النبي ﷺ أنه قال:
حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ.”
يروى عن النبي ﷺ أنه قال:
حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ.”
قال الصغاني: «موضوع».1 وقال السخاوي: «لم أقف عليه، ومعناه صحيح».2 وقال السيوطي: «لم أقف عليه».3 ونقل مُلا علي القاري عن الزركشي أنه قال: «لم أقف عليه»، وعن معين الدين الصفوي: «ليس بثابت»، ثم ذكر أنه قيل: إنه من كلام بعض السلف.4 وقال القاري في موضع آخر: «لا أصل له عند الحفاظ».5 وحكم الألباني عليه بقوله: «موضوع».6
ذكره ابن بَطَّة العُكْبَري معلقًا بلا إسناد فقال: «قال رسول الله ﷺ: حب الوطن من الإيمان».1 وهذا أقدم موضع وقفت عليه ينسب فيه اللفظ إلى النبي ﷺ، لكنه بلا سند، فلا يصلح أصلًا لإثبات الحديث.
ولم أقف على إسناد متصل أو مرسل أو حتى طريق شديد الضعف يسند هذه الجملة إلى النبي ﷺ. ولهذا جاءت عبارات الحفاظ من جنس: «لم أقف عليه»، و«ليس بثابت»، و«لا أصل له عند الحفاظ». وهذا أدق من التعامل معه كحديث له إسناد ثم البحث عن علته في أحد رواته؛ فالعلة هنا أسبق من ذلك: لا يعرف له إسناد أصلًا.
وقد قال الصغاني فيه: «موضوع».2 وهو حكم وافقه عليه جماعة من المتأخرين، ومنهم الألباني.3 أما من جهة الصناعة فالأحوط في العبارة أن يقال: «لا أصل له مرفوعًا»، ثم يذكر أن الصغاني وغيره حكموا عليه بالوضع؛ لأن عدم العثور على سند لا يساوي بنفسه دائمًا إقامة الدليل على أن شخصًا اختلقه، لكنه يمنع قطعًا من نسبته إلى النبي ﷺ.
وأما قول السخاوي: «ومعناه صحيح»، فقد ناقشه من بعده. فنقل ملا علي القاري عن المنوفي قوله: «ما ادعاه من صحة معناه عجيب؛ إذ لا ملازمة بين حب الوطن وبين الإيمان»، وذكر أن حب الوطن يوجد في المؤمن وغيره.4 ثم حاول القاري حمله على معان مخصوصة؛ كحب مكة أو حب الوطن لما فيه من صلة الرحم والإحسان إلى أهله.5
وهذا الاعتراض قوي إذا أريد بالعبارة أن مجرد الميل الفطري إلى البلد الذي ولد فيه الإنسان من خصال الإيمان؛ لأن هذا الميل يشترك فيه المؤمن والكافر، فلا يصح جعله في ذاته علامة على الإيمان.
لكن أصل محبة الإنسان لبلده والحنين إليه ثابت من حيث الجبلة، ولا حرج فيه. بل ثبت عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ «كان إذا قدم من سفر، فنظر إلى جدرات المدينة، أوضع راحلته، وإن كان على دابة حركها، من حبها»؛ رواه البخاري،6 وهو مخرج في الديوان برقم: 2111. فهذا يثبت المحبة والحنين إلى البلد، ولا يثبت أن مجرد «حب الوطن من الإيمان» بهذا اللفظ أو بهذا الإطلاق.
فالخبر لا يعرف له إسناد عن النبي ﷺ، وإنما وجد معلقًا بلا سند عند ابن بطة، ثم اشتهر على الألسنة. وقد نفى جماعة من الحفاظ معرفتهم بأصله. فالراجح أن يقال: «حب الوطن من الإيمان» لا أصل له مرفوعًا، ولا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ. وأما محبة الإنسان لوطنه والحنين إليه فمعنى فطري ثابت، وقد تكون محبته عبادة إذا كانت لأجل ما فيه من الدين وشعائر الإسلام وأهله، لكن هذا معنى آخر لا يصحح اللفظ المنسوب إلى النبي ﷺ.