تخريج حديث 2111: «كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ،…»
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا، مِنْ حُبِّهَا.”
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا، مِنْ حُبِّهَا.”
رواه البخاري،1 والترمذي،2 وأحمد،3 وابن حبان،4 من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن حُميد الطويل، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ البخاري: «كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا، مِنْ حُبِّهَا»، وجاء عند الترمذي: «جُدْرَانِ الْمَدِينَةِ» بدل «جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ».5
ورواه البخاري أيضًا،6 من طريق سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن حُميد، وقد صرح حُميد في هذا الطريق بسماعه من أنس فقال: «أخبرني حُميد أنه سمع أنسًا»، ولفظه: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا». ثم قال البخاري: «زاد الحارث بن عمير، عن حُميد: حركها من حبها»، وأتبع ذلك برواية قتيبة، عن إسماعيل، عن حُميد، عن أنس، وفيها: «جدرات»، وقال: «تابعه الحارث بن عمير».7 فالتصريح بسماع حُميد من أنس في هذا الحديث ثابت، ولا مدخل لعنعنته في إعلاله.
ووصل أحمد طريق الحارث بن عُمير، فرواه عن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن الحارث بن عُمير، عن حُميد الطويل، عن أنس، مرفوعًا بلفظ: «كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا».8 فهذا هو الطريق الذي أشار إليه البخاري تعليقًا.9
ولا يعتمد ثبوت زيادة «مِنْ حُبِّهَا» على طريق الحارث بن عُمير وحده؛ فقد رواها إسماعيل بن جعفر عن حُميد أيضًا في الرواية التي أخرجها البخاري في «فضائل المدينة»،10 والترمذي،11 وأحمد،12 وابن حبان،13 فلا يضر الحديث ما قيل في بعض أفراد الحارث بن عُمير؛ لأن الزيادة ثابتة من طريق إسماعيل بن جعفر الثقة الثبت عن حُميد.
وأخرج أبو نعيم في «المستخرج» الحديث من طريق خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير والحارث بن عُمير جميعًا، عن حُميد، كما ذكر ابن حجر،14 مما يثبت تعدد الرواة عن حُميد في أصل الحديث.
فالحديث يدور على حُميد الطويل، عن أنس، وقد رواه عنه إسماعيل بن جعفر، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، والحارث بن عُمير. وتصريح حُميد بسماعه من أنس ثابت في طريق محمد بن جعفر عند البخاري، فلا علة من جهة تدليسه. واختلفت ألفاظ الرواة في الموضع الذي رآه النبي ﷺ عند اقترابه من المدينة؛ فجاء «جُدُرَات المدينة»، و«جدران المدينة»، وفي طريق محمد بن جعفر «درجات المدينة»، وهذا اختلاف يسير لا يمس أصل الخبر، وأثبت لفظ محل التخريج «جدرات» من طريق إسماعيل بن جعفر، ووافقه الحارث بن عُمير. وأما قوله: «مِنْ حُبِّهَا» فثابت من طريق إسماعيل بن جعفر نفسه، فلا يتوقف على رواية الحارث.
(كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ) أي إذا رجع النبي ﷺ من سفره واقترب من المدينة (فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ) أي ظهرت له جدران أبنيتها ومعالمها عند اقترابه منها، وجاء في الرواية الأخرى: «فأبصر درجات المدينة» (أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ) أي حمل ناقته على سرعة السير؛ فالإيضاع الإسراع بالبعير (وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا) أي إن كانت مركوبته غير الناقة حثها على الإسراع كذلك (مِنْ حُبِّهَا) أي كان يفعل ذلك من شدة محبته للمدينة وشوقه إلى الوصول إليها، فهي دار هجرته ومقامه ﷺ.
صدق المحبة يظهر في حركة الجوارح، لا في دعاوى الألسنة! وأعجب من ذلك من يشتاق إلى جدران المدينة، ولا يشتاق إلى سنة صاحبها؛ تهتز نفسه إذا رأى طرقاتها، ولا يهتز قلبه إذا رأى هديه مهجورًا! فليست محبة النبي ﷺ أن تعشق الديار التي سكنها، ثم تُعرض عن الشريعة التي جاء بها؛ فمن صدق في محبة آثاره، كان أولى الناس باتباع أخباره!