تخريج حديث 2112: «الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ،…»
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ.”
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ.”
احتج به البخاري،1 ومسلم،2 وأصلحه أبو داود،3 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».4 وأورده ابن خزيمة في «صحيحه».5
رواه البخاري،1 ومسلم،2 وأبو داود،3 والترمذي،4 وابن خزيمة،5 من طرق عن منصور بن المُعتمر، عن إبراهيم النَّخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ مسلم: «الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه»، وفي رواية أبي داود صرح عبد الرحمن بن يزيد فقال: «سألت أبا مسعود وهو يطوف بالبيت»، فثبت سماعه منه مباشرة.6
ورواه البخاري،7 ومسلم،8 وابن ماجه،9 من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة بن قيس، عن أبي مسعود، مرفوعًا. وفي آخر هذه الرواية قال عبد الرحمن: «فلقيت أبا مسعود وهو يطوف بالبيت، فسألته فحدثنيه»، فتبين أن عبد الرحمن كان يرويه أولًا بواسطة علقمة، ثم لقي أبا مسعود فسمعه منه مباشرة؛ ولهذا جاءت الروايات تارة بذكر علقمة، وتارة بإسقاطه مع ثبوت اللقاء والسماع، فلا اضطراب بين الوجهين.10
ورواه البخاري أيضًا من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد جميعًا، عن أبي مسعود، مرفوعًا بلفظ: «الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه»، وهذا يؤكد أن إبراهيم حمله عن صاحبيه، وأن عبد الرحمن ثبت له السماع المباشر من أبي مسعود. 11
وقد تتبع الدارقطني طرق الحديث، فذكر الاختلاف فيه على عاصم بن أبي النَّجود، وعلى إبراهيم النَّخعي، وبيّن أن بعض الوجوه غير محفوظ؛ ومن ذلك ما روي عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، فقال: «ليس بمحفوظ عن الثوري».12 وهذا الاختلاف إنما وقع في طرق فرعية، ولا يقدح في الطريق المحفوظ عن منصور، ولا في طريق الأعمش الذي احتج به الشيخان.
فالحديث محفوظ من طريق منصور بن المُعتمر والأعمش عن إبراهيم النَّخعي، وقد ثبتت رواية عبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود مباشرة، كما ثبتت روايته له بواسطة علقمة قبل أن يلقاه. وقد احتج به البخاري ومسلم، وصححه الترمذي، ولا يظهر في الطريق المحفوظ علة قادحة.
شرح الحديث:
(الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) هما الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة، الآيتان رقم 285 و286. (مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ) أي قرأ هاتين الآيتين في شيء من الليل، ولم يقيد الحديث القراءة بما قبل النوم خاصة، ولا بعدد زائد على قراءتهما. (كَفَتَاهُ) لفظ محتمل لمعان متعددة؛ فقيل: كفتاه من قيام الليل، وقيل: كفتاه من الشيطان، وقيل: من الآفات، وقال النووي: «ويحتمل من الجميع».1 وذكر ابن حجر عدة معانٍ ثم قال بجواز إرادة الجميع. 2 فلا ينبغي حصر لفظ «كفتاه» في معنى واحد مع سعة لفظ الحديث.
آيتان من آخر البقرة تكفيان العبد في ليلته، ومع ذلك ينام كثير من الناس وقد أطالوا الحديث مع الخلق، وبخلوا بدقائق يناجون فيها الخالق! وأعجب من ذلك أن العبد يخشى ما يُصيبه في نومه، ثم يغفل عما أرشده إليه النبي ﷺ من أسباب الكفاية! وفي ختام السورة إيمانٌ وتسليم، واستغفارٌ واسترحام؛ فكأن العبد يودع يومه بإعلان عبوديته وافتقاره إلى ربه.
وما أشد فقر قلبٍ يجد الوقت لكل شيء، ثم لا يجد وقتًا لآيتين تكفيانه!.