تخريج حديث 2113: «حُسْنُ الْمَلَكَةِ نَمَاءٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ…»
عَنْ رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ رضي الله عنه، وَكَانَ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
حُسْنُ الْمَلَكَةِ نَمَاءٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ.”
عَنْ رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ رضي الله عنه، وَكَانَ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
حُسْنُ الْمَلَكَةِ نَمَاءٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ.”
أصلحه أبو داود،1 وسكت عنه ابن حجر في «هداية الرواة»، وما سكت عنه فهو حسن عنده بحسب شرطه،2 وقال الألباني في تخريجه لـ«هداية الرواة»: «إسناده حسن».3
لكن قال المنذري في طريق رافع: «فيه مجهول»، وقال في الطريق الآخر: «هذا مرسل، وفي إسناده بقية بن الوليد، وفيه مقال».4 وضعفه الألباني في موضع آخر،5 وقال محققو المسند: «إسناده ضعيف».6
رواه عبد الرزاق،1 عن مَعْمَر بن راشد، عن عثمان بن زُفَر، عن بعض بني رافع بن مَكِيث، عن رافع بن مَكِيث رضي الله عنه، مرفوعًا، ولفظه: «حُسْنُ الْمَلَكَةِ نَمَاءٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ، وَالْبِرُّ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ، وَالصَّدَقَةُ تَمْنَعُ مِيتَةَ السُّوءِ». ومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد،2 وأبو داود مختصرًا،3 والطبراني.4 ووقع في المطبوع من «مسند أحمد»: «حُسْنُ الْخُلُقِ نَمَاءٌ»، والمحفوظ في رواية عبد الرزاق وغيره: «حُسْنُ الْمَلَكَةِ نَمَاءٌ»، وعند أبي داود: «حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُمْنٌ».
ورواه البخاري في «التاريخ الكبير» من طريق بشر، عن عبد الله بن المبارك، عن مَعْمَر، عن عثمان بن زُفَر، عن بعض بني رافع بن مَكِيث، عن رافع، واقتصر على قوله ﷺ: «سُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ».5 فتابع ابن المبارك عبد الرزاق على إبهام شيخ عثمان بن زُفَر بينه وبين رافع.
وليس هذا الإبهام خاصًا بعبد الرزاق؛ فقد رواه عن مَعْمَر كذلك عبد الله بن المبارك، وهشام بن يوسف، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن عثمان بن زُفَر، عن بعض بني رافع، عن رافع، فدل ذلك على أن هذا الوجه محفوظ عن مَعْمَر.6
وخالفهم بَقِيَّة بن الوليد، فرواه عن عثمان بن زُفَر، قال: حدثني محمد بن خالد بن رافع بن مَكِيث، عن عمه الحارث بن رافع بن مَكِيث، وذكر الحديث مرفوعًا، رواه أبو داود.7 وقد عد المزي هذا الوجه مرسلًا؛ لأن الحارث بن رافع تابعي وروايته عن النبي ﷺ مرسلة.8 وقال في ترجمة الحارث: إنه «روى عن النبي ﷺ مرسلًا».9
وقد وقع مزيد اختلاف في هذا الوجه؛ ففي بعض الروايات عن بَقِيَّة تسمية عم محمد بن خالد «الحارث بن رافع»، وفي بعض المصادر «هلال بن رافع»، مما يزيد هذا الطريق اضطرابًا، وقد رجح ابن الأثير رواية مَعْمَر المبهمة فقال بعد ذكر اختلاف بَقِيَّة: إن رواية مَعْمَر «أصح».10 فلا يصح اتخاذ رواية بَقِيَّة طريقًا مستقلًا يقوي رواية مَعْمَر؛ لأن الطريقين يجتمعان في عثمان بن زُفَر، وإنما هو اختلاف عليه، والمحفوظ في رواية مَعْمَر الإبهام.
ومدار الحديث على عثمان بن زُفَر الجُهني الشامي الدمشقي. ذكره ابن حبان في «الثقات»، وذكره الذهبي بقوله: «وُثِّق»، لكن لم يظهر فيه توثيق متقدم قوي يثبت ضبطه، وقال ابن حجر: «مجهول».11 وقد ذكر المزي أنه يروي هذا الحديث عن محمد بن خالد، وقيل: عن بعض بني رافع، وأن مَعْمَر وبَقِيَّة رويا عنه.12 فهو علة قائمة في أصل الطريق، ولا ينبغي الخلط بينه وبين عثمان بن زُفَر الكوفي الآخر الذي قال فيه أبو حاتم: «صدوق»؛ فهما رجلان مختلفان.
ويضاف إلى جهالة عثمان إبهام الواسطة في الطريق المحفوظ: «عن بعض بني رافع بن مَكِيث». ومحاولة تعيين هذا المبهم بالطريق الآخر لا ترفع الجهالة على التحقيق؛ لأن طريق بَقِيَّة نفسه مختلف في تركيبه، فتارة يجعله محمد بن خالد عن عمه الحارث مرسلًا، وتارة وقع اسم العم هلالًا، بينما رواية مَعْمَر المحفوظة تذكر رجلًا واحدًا مبهمًا بين عثمان ورافع. فلا يصح تركيب الأسانيد المختلفة لتصحيح بعضها ببعض.
وأما قول الألباني في «السلسلة الضعيفة» إن عثمان «اضطرب فيه»، فمراده هذا الاختلاف؛ فقد ضعف الحديث بجهالة عثمان، وجهالة بعض ولد رافع، ثم ذكر مخالفته في تسمية محمد بن خالد والحارث.13 وهو أوجه من تحسينه الآخر في «هداية الرواة»؛ لأن التضعيف هنا مبني على دراسة تفصيلية للإسناد وعلله.
وله شاهد لبعض لفظه من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «الشُّؤْمُ سُوءُ الْخُلُقِ»، رواه أحمد،14 من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد، عن عائشة. وهذا إسناد ضعيف؛ أبو بكر بن أبي مريم ضعيف، وحبيب بن عبيد لم يسمع من عائشة، فلا يصلح هذا الطريق وحده لرفع حديث رافع، ثم إنه لا يشهد أصلًا لقوله: «حسن الملكة نماء»، وإنما يوافق الشطر الثاني فقط. وقد رجح الدارقطني رواية حبيب بن عبيد عن عائشة في الاختلاف على أبي بكر بن أبي مريم، لكن ذلك لا يزيل ضعف أبي بكر ولا الانقطاع.15
وروي معنى «حسن الملكة نماء» من حديث آخر بطرق شديدة الضعف، فلا تصلح للاعتبار، ولا حاجة إلى تكثير الطرق بما لا ينهض للتقوية.
فالحديث يدور على عثمان بن زُفَر الجُهني، وهو مجهول عند ابن حجر، وليس له توثيق متقدم تقوم به الحجة، ثم إن الطريق المحفوظ عن مَعْمَر فيه راو آخر مبهم من بني رافع. وأما طريق بَقِيَّة الذي سمى بعض الوسائط فليس طريقًا مستقلًا، بل هو اختلاف على عثمان، وقد جاء مرسلًا ومختلفًا في اسم الواسطة، ورجح ابن الأثير وجه مَعْمَر. وشاهد عائشة ضعيف ولا يشهد إلا لجملة «سوء الخلق شؤم». لذلك فسكوت أبي داود وتحسين ابن حجر لا يكفيان لدفع هذه العلل، ولا سيما أن المنذري نبه إلى المجهول والإرسال.
(حُسْنُ الْمَلَكَةِ) أي حسن معاملة الإنسان لمن تحت يده وسلطانه، وخاصة المماليك والخدم؛ فيرفق بهم ويحسن إليهم ولا يظلمهم، وهذا هو السياق الذي أورده فيه أبو داود في باب حق المملوك. (نَمَاءٌ) أي زيادة وبركة في الخير، وجاء عند أبي داود بلفظ «يُمْنٌ»، أي بركة وخير، والمعنيان متقاربان. (وَسُوءُ الْخُلُقِ) أي رداءة الطبع والمعاملة، من الغلظة والظلم وسوء العشرة. (شُؤْمٌ) أي سبب للشر والنكد وسوء العاقبة في المعاملة، وليس المراد إثبات الطيرة المحرمة، وإنما بيان ما يجره سوء الخلق من الشر والفساد. ومعنى الحث على حسن الخلق والإحسان إلى من تحت اليد ثابت بأحاديث صحيحة، وإن كان هذا اللفظ بخصوصه لا يثبت.