احتج به البخاري،1 وأورده ابن خزيمة في «صحيحه»،2 وأورده ابن حبان في «صحيحه».3
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (1/ 157 رقم 788 ط السلطانية)
2صحيح ابن خزيمة (1/ 293 رقم 582 ت محمد مصطفى الأعظمي)
3صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع (7/ 520 رقم 6918)
تخريج الحديث
رواه البخاري،1 وأحمد،2 والبيهقي،3 من طريق هَمَّام بن يحيى، عن قَتادة بن دِعامة، عن عِكرمة ذكره.
ورواه أحمد من طريق شُعبة بن الحجاج، عن قتادة، عن عكرمة، وفيه: «صليت خلف شيخ أحمق صلاة الظهر، فكبر فيها ثنتين وعشرين تكبيرة، يكبر إذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود»، فقال ابن عباس: «لا أم لك، تلك سنة أبي القاسم ﷺ».4 وإسناده صحيح على شرط البخاري.
ورواه أحمد أيضًا من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن عكرمة، بلفظ: «صليت خلف شيخ بالأبطح فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة»، فقال ابن عباس: «لا أم لك، تلك صلاة أبي القاسم ﷺ».5 ورواه ابن خزيمة من طرق عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عكرمة، وفي بعضها: «إذا سجد، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه»، وفي بعضها: «تلك سنة أبي القاسم»، وفي بعضها: «تلك صلاة أبي القاسم».6
ورواه البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، فقال فيه أبان: «حدثنا قتادة، حدثنا عكرمة».7 وهذه الرواية ترفع ما قد يتوهم من عنعنة قتادة؛ لأنه مدلس، فقد صرح هنا بالسماع من عكرمة، وذكر ابن حجر أن سعيد بن أبي عروبة رواه كذلك عن قتادة مصرحًا بالتحديث.8
وللخبر عن عكرمة طريق آخر لا يدور على قتادة؛ رواه البخاري من طريق أبي بِشر جعفر بن أبي وَحشية، عن عكرمة، قال: «رأيت رجلًا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس، فقال: أوليس تلك صلاة النبي ﷺ؟ لا أم لك».9 ورواه ابن خزيمة من الطريق نفسه بمعناه.10 فهذا أصل مستقل صحيح يؤكد أن إنكار عكرمة إنما كان على كثرة التكبير في الانتقالات، وأن ابن عباس بين له أنها صلاة النبي ﷺ.
وجاء تعيين الشيخ المبهم بأنه أبو هريرة رضي الله عنه؛ فرواه الطحاوي من طريق عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله الدَّاناج، عن عكرمة، قال: «صلى بنا أبو هريرة، فكان يكبر إذا رفع وإذا وضع، فأتيت ابن عباس فأخبرته بذلك، فقال: أو ليس ذلك سنة أبي القاسم ﷺ؟».11 ورواه الطبراني من الطريق نفسه.12 فهذه الرواية تفسر «الشيخ» في الطرق الأخرى بأنه أبو هريرة رضي الله عنه.
ويؤيده من حديث أبي هريرة نفسه ما رواه البخاري أن أبا هريرة كان يصلي بالناس «فيكبر كلما خفض ورفع»، ثم يقول إذا انصرف: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ».13 ورواه مسلم بنحو ذلك.14 فهذا شاهد صحيح صريح لأصل التكبير في انتقالات الصلاة.
وأما عدد «ثنتين وعشرين تكبيرة» فلا إشكال فيه، وإنما هو عدد تكبيرات الصلاة الرباعية: تكبيرة الإحرام، وخمس تكبيرات في كل ركعة، فهذه إحدى وعشرون، ثم تكبيرة القيام من التشهد الأول، فتتم ثنتين وعشرين. وقد بين ابن حجر أن رواية سعيد بن أبي عروبة صرحت بأن الصلاة كانت الظهر، فاستقام بهذا العدد.15 وكذلك فصله ابن رجب.16
ولا يراد بقول بعض الروايات: «إذا رفع رأسه» أنه يكبر عند الرفع من الركوع؛ فإن السنة عند الرفع من الركوع قول: «سمع الله لمن حمده»، وإنما المراد رفع الرأس من السجود أو التكبير عند الانتقال بعد الرفع، وقد استدل ابن خزيمة بعدد الاثنين والعشرين نفسه على هذا؛ إذ لو جعل لكل رفع وخفض تكبير مستقل حتى عند الرفع من الركوع لزاد العدد على ذلك.17
فالخبر محفوظ عن عكرمة من غير وجه: رواه عنه قتادة من طرق جماعة من الحفاظ، وصرح قتادة بالسماع، ورواه عنه أبو بشر من طريق صحيح مستقل، وجاء من طريق عبد الله الداناج تعيين الشيخ بأنه أبو هريرة. وقد احتج به البخاري، وثبت عن أبي هريرة نفسه في الصحيح أنه كان يكبر في الخفض والرفع ويقول: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ». فالأثر عن ابن عباس صحيح بلا إشكال، وقوله: «سنة أبي القاسم» و«تلك صلاة أبي القاسم» صريح في نسبته إلى النبي ﷺ، ولذلك فهو موقوف لفظًا على ابن عباس، مرفوع حكمًا.
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (1/ 157 رقم 788 ط السلطانية)
2مسند أحمد (4/ 400 رقم 2656 ط الرسالة)
3السنن الكبير (3/ 472 رقم 2535 ت عبد الله التركي)
4مسند أحمد (5/ 238 رقم 3140 ط الرسالة)
5مسند أحمد (5/ 325 رقم 3294 ط الرسالة)
6صحيح ابن خزيمة (1/ 293 رقم 582 ت محمد مصطفى الأعظمي)
7صحيح البخاري (1/ 157 رقم 788 ط السلطانية)
8فتح الباري (2/ 318 ط السلفية)
9صحيح البخاري (1/ 157 رقم 787 ط السلطانية)
10صحيح ابن خزيمة (1/ 290 رقم 577 ت محمد مصطفى الأعظمي)
11شرح معاني الآثار (1/ 221 رقم 1324 ط عالم الكتب)
12المعجم الكبير (11/ 333 رقم 11918 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
13صحيح البخاري (1/ 157 رقم 785 ط السلطانية)
14صحيح مسلم (1/ 294 رقم 392 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
15فتح الباري (2/ 318 ط السلفية)
16فتح الباري لابن رجب، باب التكبير إذا قام من السجود
17صحيح ابن خزيمة (1/ 290-293 رقم 581-582 ت محمد مصطفى الأعظمي)
شرح الحديث
(صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ) الشيخ هو أبو هريرة رضي الله عنه كما عينته الرواية الأخرى من طريق عبد الله الداناج. (فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً) أي في صلاة الظهر الرباعية، وهي تكبيرة الإحرام، وعشرون تكبيرة للانتقالات في الركعات الأربع، وتكبيرة القيام من التشهد الأول. (فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ) قالها عكرمة مستنكرًا كثرة التكبير؛ لما كان قد رآه من ترك الناس أو تقليلهم للتكبير في بعض الانتقالات، ولم يكن يعلم أن فعل الرجل هو السنة. (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ) أصلها دعاء بالفقد، وتستعملها العرب للزجر والتوبيخ والتعجب من الخطأ من غير إرادة حقيقة الدعاء غالبًا. (سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ) أي أن هذا التكبير في مواضع الانتقال هو هدي رسول الله ﷺ وصلاته، فأنكر ابن عباس على عكرمة أن يصف بالسفه ما كان من السنة.
فوائد الحديث
قد يرى الرجلُ السنةَ حمقًا، لا لفساد السنة، ولكن لقصور علمه بها! أنكر عكرمة كثرة التكبير، فردَّه ابن عباس بقوله: «سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ»! فكم من سنةٍ أُنكرَت لأن الناس جهلوها، وكم من بدعةٍ قُبِلَت لأنهم ألفوها! وليس كل ما استغربته النفوس منكرًا، ولا كل ما اعتادته مشروعًا؛ فالحق لا يُوزن بعادات الناس، وإنما تُوزن عاداتهم بالوحي. ومن جعل جهلَه بالسنة دليلًا على بطلانها، فقد جعل نفسه حَكَمًا على ما جاء به رسول الله ﷺ!