قال أحمد شاكر: «وهو إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة، إن صح هذا التعبير!».1
المصادر والمراجع
1تفسير الطبري (1/ 263 ط التربية والتراث)
تخريج الحديث
رواه الطبري،1 قال: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ قال: «لَا تَرْمِ أَحَدًا بِمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ».
وهذا الإسناد هو سلسلة العوفيين: محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي، عن أبيه سعد بن محمد، عن عمه، وهو عم سعد، الحسين بن الحسن بن عطية، عن أبيه الحسن بن عطية، عن أبيه عطية بن سعد العوفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما.2 وهي سلسلة ضعيفة جدًا؛ فمحمد بن سعد قال فيه الخطيب: «كان لينًا في الحديث».3 وإن نقل الحاكم عن الدارقطني أنه قال: «لا بأس به».4 وأبوه سعد بن محمد أنكر أحمد الكتابة عنه، وقال: «لو لم يكن هذا أيضًا لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك».5 والحسين بن الحسن قال فيه ابن معين: «كان ضعيفًا في القضاء، ضعيفًا في الحديث»، وضعفه النسائي أيضًا.6 وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث».7 والحسن بن عطية قال فيه أبو حاتم: «ضعيف الحديث».8 وعطية العوفي قال فيه أحمد: «هو ضعيف الحديث»، وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، يكتب حديثه».9 ولهذا قال أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري: «وهو إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة، إن صح هذا التعبير!».10 فالإسناد شديد الضعف، ولا تثبت به نسبة التفسير إلى ابن عباس إلا أن يرد من طريق معتبر.
فلا يصح رفع حال هذا الطريق بمجرد أن العبارة تفسير مستقيم للآية؛ إذ صحة التفسير شيء، وثبوت نسبته إلى ابن عباس شيء آخر.
وقد روي عن ابن عباس في الآية تفسير أقصر من طريق علي بن أبي طلحة عنه: «لَا تَقُلْ»، وهو معنى أعم من الرواية التي معنا، وقد أخرجه الطبري، وعزاه السيوطي كذلك إلى ابن أبي حاتم.11 ولا يصلح هذا لإثبات لفظ «لا ترم أحدًا» عن ابن عباس بعينه؛ لاختلاف اللفظ والطريق.
لكن معنى «لا ترم» محفوظ عن مجاهد؛ فقد رواه الطبري من طريق محمد بن عمرو، عن أبي عاصم النبيل، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ قال: «وَلَا تَرْمِ»، ورواه أيضًا من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ومن طريق ابن جريج، عن مجاهد، بمثله.12 وأبو عاصم ثقة ثبت، وعيسى بن ميمون الجرشي ثقة، وابن أبي نجيح ثقة، فهذا أصل قوي لمعنى التفسير، وإن لم يثبت به لفظ ابن عباس.
وروى الطبري كذلك عن قتادة في الآية أنه قال: «لَا تَقُلْ رَأَيْتُ وَلَمْ تَرَ، وَسَمِعْتُ وَلَمْ تَسْمَعْ، وَعَلِمْتُ وَلَمْ تَعْلَمْ».13 وهذا يؤكد المعنى العام للآية: النهي عن القول والاتهام والشهادة بغير علم.
فاللفظ «لا ترم أحدًا بما ليس لك به علم» لا يثبت عن ابن عباس؛ لأنه لا يعرف عنه بهذا اللفظ إلا من طريق سلسلة العوفيين، وهي شديدة الضعف ومسلسلة بعدة رواة ضعفاء. لكن تفسير «ولا تقف» بمعنى «ولا ترم» ثابت عن مجاهد، وثبت عن قتادة تفسيرها بالنهي عن الإخبار بما لم يره الإنسان أو يسمعه أو يعلمه؛ فالمعنى صحيح موافق للآية، وإنما الضعف في خصوص نسبته بهذا اللفظ إلى ابن عباس.
المصادر والمراجع
1جامع البيان (14/ 594 ت عبد الله بن عبد المحسن التركي)
2جامع البيان (1/ 263 رقم 305 ت أحمد شاكر)
3تاريخ بغداد (5/ 322–323)
4ميزان الاعتدال (3/ 560)
5تاريخ بغداد (9/ 127)
6تاريخ بغداد (8/ 30)
7الجرح والتعديل (3/ 48)
8الجرح والتعديل (3/ 26)
9الجرح والتعديل (6/ 383)
10جامع البيان (1/ 263 ت أحمد شاكر)
11جامع البيان (14/ 593 ت عبد الله بن عبد المحسن التركي)
12جامع البيان (14/ 594 ت عبد الله بن عبد المحسن التركي)
13جامع البيان (14/ 593 ت عبد الله بن عبد المحسن التركي)
شرح الحديث
(لَا تَرْمِ أَحَدًا) أي لا تنسب إلى إنسان قولًا أو فعلًا أو عيبًا أو تهمةً لم يثبت عندك صدورها منه، والرمي هنا أعم من الرمي الحسي، وإنما المراد القذف والاتهام والقول في الإنسان بما لا يعلم. (بِمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي لا تتبع الظن والحدس والشائعة في أعراض الناس، بل لا تقل إلا ما ثبت لك بعلم، وهذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقد جمع الطبري بين تفسيرات السلف فقال إن القول بما لا يعلم يدخل فيه شهادة الزور ورمي الناس بالباطل وادعاء سماع ما لم يسمع ورؤية ما لم ير.1
المصادر والمراجع
1جامع البيان (14/ 593-596 ت عبد الله بن عبد المحسن التركي)