لكن قال الدارقطني في الطريق الموصول عن أبي المُهَلَّب، عن أبي مسعود: «لم يتابع عليه، والصحيح: عن أبي قلابة مرسل».4 وقال الذهبي: «فيه إرسال».5 وقال ابن حجر: «رجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا».6 وأعله الوادعي،7 وضعف محققو المسند إسناده.8
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (7/ 328 رقم 4972 ت شعيب الأرناؤوط)
2الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص379) رقم 1147
3سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (2/ 522 رقم 866)
4علل الدارقطني (6/ 196 رقم 1064 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
5المهذب في اختصار السنن الكبير (8/ 4268 ت دار المشكاة للبحث العلمي)
6فتح الباري (10/ 567 ط السلفية)
7أحاديث معلة ظاهرها الصحة (ص303)
8مسند أحمد (28/ 307 رقم 17075 ط الرسالة)
تخريج الحديث
رواه عبد الله بن المبارك،1 وأحمد،2 من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قِلابة عبد الله بن زيد الجَرمي، عن أبي مسعود الأنصاري، مرفوعًا، ولفظه: «قيل له: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال: بئس مطية الرجل». وهذا الطريق منقطع؛ لأن أبا قلابة لم يسمع من أبي مسعود.
ورواه أحمد،3 وأبو داود،4 من طريق وكيع، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، قال: قال أبو مسعود لأبي عبد الله، أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود: «ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بئس مطية الرجل زعموا». وقال أبو داود: «أبو عبد الله هذا حذيفة».5 وأبو قلابة لم يسمع من حذيفة كذلك، فرجع هذا الوجه أيضًا إلى الانقطاع.
ورواه البخاري في «الأدب المفرد» من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، بنحو رواية وكيع، وفيه الشك بين أبي مسعود وأبي عبد الله.6 فهذا متابعة لوكيع عن الأوزاعي، لكنها لا ترفع الانقطاع بين أبي قلابة والصحابي.
ورواه الطحاوي،7 من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: «حدثني أبو قلابة، حدثني أبو عبد الله»، مرفوعًا: «بئس مطية الرجل زعموا». وهذه الرواية هي التي حملت بعض المتأخرين على تصحيح الإسناد واتصاله؛ لتصريح أبي قلابة بالتحديث عن أبي عبد الله. وقد رأى ابن حجر ومن تبعه أن هذا وجه متصل، مع الأمن من تدليس الوليد في هذا السياق.
لكن هذا الوجه لا يستقيم إذا كان «أبو عبد الله» هو حذيفة بن اليمان؛ لأن أبا قلابة عبد الله بن زيد الجرمي لم يدرك حذيفة، المتوفى سنة 36هـ. وقد نص ابن حجر8 على ذلك، فقال: «فعلى هذا فأبو عبد الله آخر غير حذيفة؛ لأن أبا قلابة ما أدرك حذيفة». كما نقل السخاوي9 عن ابن عساكر جزمه بأن أبا قلابة لم يسمع من أبي مسعود البدري أيضًا.
وعليه، فإن تصريح أبي قلابة بقوله: «حدثني أبو عبد الله» في رواية الوليد بن مسلم لا يثبت اتصال الإسناد بحذيفة؛ لاستحالة سماعه منه، بل يحتمل أن يكون المراد بأبي عبد الله رجلًا آخر غير حذيفة، كما رجحه ابن حجر، أو أن الوهم وقع في سياقة الرواية. فلا يصح الاستدلال بمجرد التصريح بالتحديث على اتصال هذا الوجه حتى يُحرَّر تعيين «أبي عبد الله» ويُجمع بين الروايات المختلفة.
وقد استدل الألباني10 على اتصال الإسناد برواية ابن منده، وفيها تصريح أبي قلابة بقوله: «حدثني أبو عبد الله». لكن هذا لا يثبت أن أبا عبد الله هو حذيفة بن اليمان؛ فقد نقل ابن الأثير11 أن ابن منده أخرجه في ترجمة مستقلة بعنوان «أبو عبد الله»، وقال: «له صحبة، روى عنه أبو قلابة الجرمي، وأبو نضرة»، ثم ذكر حديث «بئس مطية المؤمن زعموا». وهذا يدل على أن تعيينه بحذيفة غير متعين، وأن التصريح بالسماع لا يرفع الإشكال في تعيين صاحب الكنية. وترجم له أبو نعيم12 بقوله: «أبو عبد الله غير منسوب».
وجاء وجه موصول آخر؛ رواه البخاري في «الأدب المفرد» من طريق يحيى بن عبد العزيز، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المُهَلَّب، أن عبد الله بن عامر قال لأبي مسعود: «ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال: سمعته يقول: بئس مطية الرجل».13 وقد اعتمد بعض المتأخرين هذا الطريق في إثبات الاتصال.
غير أن الدارقطني، وهو إمام هذا الباب، وقف على هذا الاختلاف بعينه، فقال في حديث أبي المُهَلَّب عن أبي مسعود: «يرويه يحيى بن عبد العزيز، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، ولم يتابع عليه، والصحيح: عن أبي قلابة مرسل».14 فبيّن أن إدخال أبي المُهَلَّب في الإسناد غير محفوظ، وأن الوجه الصحيح عن أبي قلابة هو الإرسال. وهذا هو أصل الترجيح في الحديث.
ورواه البيهقي من طريق الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، قال: قال أبو عبد الله لأبي مسعود: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال: «سمعته يقول: بئس مطية الرجل».15 وهذه الرواية تؤكد شهرة الاختلاف على أبي قلابة، لكنها لا تحل علة الانقطاع؛ ولذلك قال الذهبي في هذا الطريق: «فيه إرسال».16
فالحديث يدور على أبي قلابة عبد الله بن زيد الجَرمي، واختلف عنه: فرواه جماعة عنه عن أبي مسعود، وروي عنه على الشك بين أبي مسعود وأبي عبد الله، وروي عنه عن أبي عبد الله وحده مع التصريح بالتحديث، وروى يحيى بن عبد العزيز عنه فزاد أبا المُهَلَّب بينه وبين أبي مسعود. وقد حكم الدارقطني بعد جمع هذا الاختلاف بأن رواية يحيى بن عبد العزيز الموصولة غير محفوظة، وأن الصحيح عن أبي قلابة مرسل. ويؤيد ذلك ثبوت عدم سماع أبي قلابة من أبي مسعود ومن حذيفة، فلا يصح رفع الخبر من هذه الطرق، ولا يدفع العلة سكوت أبي داود أو تصحيح بعض المتأخرين ممن اعتمد ظاهر رواية الوليد أو الطريق الموصول؛ فالراجح على طريقة أئمة العلل أن المرفوع ضعيف، والمحفوظ عن أبي قلابة مرسل.
المصادر والمراجع
1الزهد والرقائق (1/ 127 رقم 377 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
2مسند أحمد (28/ 307 رقم 17075 ط الرسالة)
3مسند أحمد (38/ 409 رقم 23403 ط الرسالة)
4سنن أبي داود (7/ 328 رقم 4972 ت شعيب الأرناؤوط)
5سنن أبي داود (7/ 328 رقم 4972 ت شعيب الأرناؤوط)
6الأدب المفرد (ص268 رقم 762 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
7شرح مشكل الآثار (1/ 173 رقم 185 ت شعيب الأرناؤوط)
8النكت الظراف (3/ 45–46 رقم 3364 ضمن تحفة الأشراف ت عبد الصمد شرف الدين)
9المقاصد الحسنة (رقم 308 ت محمد عثمان الخشت)
10سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 548 رقم 866 ط مكتبة المعارف)
11أسد الغابة (6/ 191–192 رقم 6062 ط دار الكتب العلمية)
12معرفة الصحابة (5/ 2949 رقم 6885 ت عادل العزازي)
13الأدب المفرد (ص268 رقم 763 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
14علل الدارقطني (6/ 196 رقم 1064 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
15السنن الكبير للبيهقي (21/ 225 رقم 21208 ت عبد الله التركي)
16المهذب في اختصار السنن الكبير (8/ 4268 ت دار المشكاة للبحث العلمي)
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) هو عبد الله بن زيد الجَرْمي، من كبار التابعين (قَالَ: قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ أَوْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ لِأَبِي مَسْعُودٍ) شك الراوي في تعيين أي الرجلين ابتدأ بالسؤال، وهذا لا يضر بمقصود الحديث؛ لأن العبرة بالجواب المرفوع إلى النبي ﷺ (مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي: زَعَمُوا) ماذا سمعت النبي ﷺ يقول في استعمال كلمة «زعموا»، وهي كلمة تُستعمل في نقل الأخبار عن الناس من غير تعيين قائلها ولا تثبت من صحتها (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ) نقل ما حفظه عن النبي ﷺ في التحذير من هذا الأسلوب (بِئْسَ) كلمة ذم، والمعنى: قَبُح وساء (مَطِيَّةُ الرَّجُلِ) المطية ما يركبه الإنسان ليبلغه مقصده، فشبّه النبي ﷺ كلمة «زعموا» بالمركوب الذي يتخذه الرجل وسيلة لنقل الكلام ونشره (زَعَمُوا) أي يقول: قال الناس، ويقال، وبلغني، من غير تثبت ولا نسبة الخبر إلى مصدر معلوم، فيجعل هذه الكلمة ذريعة لحمل كل خبر وإشاعته.