احتج به مسلم،1 وقال الترمذي: «هذا حديث صحيح».2 وأورده ابن حبان في «صحيحه».3 وصححه ابن تيمية.4
لكن أعل الدارقطني طريق مسلم؛ لأن يحيى بن أبي كثير رواه عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك، وخالفه معاوية بن سلام فرواه عن أخيه زيد، عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك، فزاد عبد الرحمن بن غَنْم، ورجح الدارقطني هذا الوجه.5 وقال ابن القطان في طريق أبي سلام عن أبي مالك: «منقطع».6
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (1/ 203 رقم 223 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2سنن الترمذي (5/ 535 رقم 3517 ت بشار)
3صحيح ابن حبان (3/ 123 رقم 844 ت شعيب الأرناؤوط)
4مجموع الفتاوى (7/ 51)
5الإلزامات والتتبع (ص159 ت مقبل بن هادي الوادعي)
6بيان الوهم والإيهام (2/ 376 ت الحسين آيت سعيد)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 ومسلم،2 والترمذي،3 من طريق أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام مَمْطور الحبشي، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، مرفوعًا.
وخالف يحيى بن أبي كثيرَ معاويةُ بن سلام، فرواه ابن ماجه،4 وابن حبان،5 من طريق محمد بن شعيب بن شابور، عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، عن أبي مالك الأشعري، مرفوعًا،.
وهذا الاختلاف هو موضع العلة في طريق مسلم؛ فإن معاوية بن سلام أخو زيد، وهو أعرف بحديث أخيه، فزاد في الإسناد عبد الرحمن بن غَنْم بين أبي سلام وأبي مالك. وقد رجح الدارقطني هذا الوجه، وقال في رواية مسلم: «خالف معاوية بن سلام يحيى، فجعل ابن غَنْم عن أبي مالك».6 وذكر ابن رجب أن بعض الحفاظ رجح رواية معاوية، وقال: «معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد من يحيى بن أبي كثير»، وأن مقتضى ذلك أن رواية مسلم منقطعة.7
وهذا النقد لا يضعف الحديث نفسه؛ لأن الوجه الذي رجحه الدارقطني موصول صحيح، فرجاله ثقات، وأبو سلام يرويه فيه عن عبد الرحمن بن غَنْم، وعبد الرحمن يرويه عن أبي مالك، وقد صرح أبو مالك بالتحديث في بعض رواياته. وإنما غاية النقد أن رواية يحيى بن أبي كثير أسقطت عبد الرحمن بن غَنْم من بين أبي سلام وأبي مالك.
وقد حاول النووي الجمع بين الوجهين باحتمال أن أبا سلام سمع الحديث من أبي مالك مباشرة، وسمعه كذلك من عبد الرحمن بن غَنْم عنه، ثم قال: «وكيف كان فالمتن صحيح لا مطعن فيه».8 إلا أن طريقة الدارقطني في ترجيح رواية معاوية أقوى في خصوص تحرير الإسناد؛ لأن زيادة عبد الرحمن جاءت من طريق أخي زيد، مع وجود رواية أخرى للحديث عن عبد الرحمن بن غَنْم عن أبي مالك. ومع ذلك فلا أثر لهذا الترجيح على صحة المتن لثبوت الوجه الموصول.
وجاءت في ألفاظ الحديث اختلافات قبل الجملة محل البحث؛ ففي رواية مسلم: «الطهور شطر الإيمان... والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء»، وفي رواية معاوية: «إسباغ الوضوء شطر الإيمان... والتسبيح والتكبير... والزكاة برهان»، لكنهما اتفقا على الجملة الأخيرة: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»، فهي محفوظة في الوجهين.
فالحديث يدور على زيد بن سلام، واختلف عنه يحيى بن أبي كثير ومعاوية بن سلام؛ فرواه يحيى عن زيد، عن أبي سلام، عن أبي مالك، ورواه معاوية عن أخيه زيد، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك. ورجح الدارقطني الوجه الثاني، وهو الأظهر؛ لمزيد معرفة معاوية بحديث أخيه، ولثبوت عبد الرحمن بن غَنْم في هذا الإسناد من الوجه الموصول. وعليه فطريق مسلم المختصر معلول بالانقطاع على ترجيح الدارقطني، لكن الحديث نفسه صحيح من طريق معاوية بن سلام الموصول، والجملة المذكورة محفوظة فيه.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (37/ 542 رقم 22908 ط الرسالة)
2صحيح مسلم (1/ 203 رقم 223 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3سنن الترمذي (5/ 535 رقم 3517 ت بشار)
4سنن ابن ماجه (1/ 102 رقم 280 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
5صحيح ابن حبان (3/ 123 رقم 844 ت شعيب الأرناؤوط)
6الإلزامات والتتبع (ص159 ت مقبل بن هادي الوادعي)
7جامع العلوم والحكم (2/ 6 ت شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس)
8شرح صحيح مسلم للنووي (3/ 456)
شرح الحديث
(الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ) الطهور هو التطهر من الحدث والنجاسة، والمراد بيان عظيم منزلته في الدين؛ لأنه شرط لأعظم العبادات وهي الصلاة، فكان بمنزلة نصف الإيمان من جهة عظيم أثره ومكانته (وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ) كلمة الحمد لله بما اشتملت عليه من الثناء على الله وتعظيمه عظيمة الأجر حتى تملأ ميزان حسنات العبد يوم القيامة (وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَآنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) التسبيح تنزيه الله عن كل نقص، والحمد إثبات المحامد والكمالات له، وعظم ثوابهما بحيث لو جُسِّم أجرهما لملأ ما بين السماوات والأرض، والشك في «تملآن» أو «تملأ» من الراوي (وَالصَّلَاةُ نُورٌ) الصلاة تنير قلب صاحبها بالإيمان والهداية، وتكون له نورًا في طريقه وفي الآخرة، لما فيها من صلة بالله وذكره وطاعته (وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ) الصدقة دليل ظاهر على صدق إيمان صاحبها؛ لأن المال محبوب إلى النفس، ولا يبذله ابتغاء وجه الله إلا من صدق يقينه ورجاؤه فيما عند الله (وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) الصبر نور يهدي صاحبه عند الشدائد، وسُمّي ضياءً لأن الصبر يصاحبه ألم ومشقة ومجاهدة، كما أن الضياء فيه قوة وحرارة (وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ) يكون القرآن شاهدًا لك إذا آمنت به واتبعته وعملت بأوامره واجتنبت نواهيه (أَوْ عَلَيْكَ) ويكون حجة عليك إذا عرفته ثم خالفته وأعرضت عن العمل به (كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو) كل إنسان يخرج في أول نهاره ويسعى في عمله، فلا أحد ينفك عن السعي لنفسه (فَبَايِعٌ نَفْسَهُ) معامل نفسه بعمله، فكأنه يبيعها كل يوم بما يختاره لها من طاعة أو معصية (فَمُعْتِقُهَا) فمن أطاع الله خلّص نفسه من أسباب العذاب وأعتقها من الهلاك (أَوْ مُوبِقُهَا) ومن اتبع المعاصي أهلك نفسه وأوردها موارد العقوبة، و«موبقها» مهلكها.
فوائد الحديث
كل صباح يدخل الناس سوقًا لا يخرج منه أحد إلا رابحًا نفسه أو خاسرًا لها؛ فمن باعها لله أعتقها، ومن باعها لشهواته أوبقها! وأعجب الخلق من يجتهد في تحرير نفسه من سلطان الناس، ثم يسلّمها ذليلة لسلطان هواه! والقرآن الذي تقرؤه إما حجة تنجيك أو حجة تدينك؛ فليس الشأن أن تحفظ كلام الله في صدرك، وإنما أن تحفظ حدوده في عملك. قد يربح المرء الدنيا كلها ويخسر نفسه، وما أفدح صفقةً يكون ثمنها الجنة، ومكسبها شهوةً تزول.