تخريج حديث 2127: «حِفْظُ الْغُلَامِ كَالْوَسْمِ فِي الْحَجَرِ،…»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
حِفْظُ الْغُلَامِ كَالْوَسْمِ فِي الْحَجَرِ، وَحِفْظُ الرَّجُلِ بَعْدَمَا يَكْبُرُ كَالْكِتَابِ عَلَى الْمَاءِ.”
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
حِفْظُ الْغُلَامِ كَالْوَسْمِ فِي الْحَجَرِ، وَحِفْظُ الرَّجُلِ بَعْدَمَا يَكْبُرُ كَالْكِتَابِ عَلَى الْمَاءِ.”
رواه الخطيب،1 من طريق أبي العباس إسحاق بن محمد بن مروان الغَزَّال، عن أبيه، عن إسحاق بن وزير، عن عبد الملك بن موسى، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما، مرفوعًا، ولفظه: «حِفْظُ الْغُلَامِ الصَّغِيرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ، وَحِفْظُ الرَّجُلِ بَعْدَ مَا يَكْبُرُ كَالْكِتَابِ عَلَى الْمَاءِ»
ورواه الخطيب أيضًا في «الفقيه والمتفقه» من هذا الطريق، ووقع فيه اختلاف يسير في اللفظ؛ ففي إحدى الروايتين: «حفظ الغلام كالوسمة في الحجر»، وفي الأخرى: «كالنقش في الحجر»، مع تمام قوله: «وحفظ الرجل بعدما كبر ككتاب على الماء».2
ورواه الديلمي من طريق أبي نعيم، عن محمد بن هارون، عن إسحاق بن محمد بن مروان، عن أبيه، عن إسحاق بن وزير، عن عبد الملك بن موسى، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، بنحوه.3 وقد ذكر أحمد بن الصديق الغماري هذا الإسناد ثم قال: «وفي هذا السند من لم أعرفه».4 فالطريقان ليسا مستقلين، بل مدارهما واحد، وأصل علته في الطبقة الواقعة قبل الزهري.
فأبو العباس إسحاق بن محمد بن مروان الغَزَّال قال فيه الدارقطني: «جعفر وإسحاق ابنا محمد بن مروان القطان الكوفي ليسا ممن يحتج بحديثهما»، ونقل الخطيب عن أبي الحسين الحجاجي قوله فيه: «كانوا يتكلمون فيه».5
وأشد منه أبوه محمد بن مروان القطان؛ قال الدارقطني: «شيخ من الشيعة، حاطب ليل، متروك، لا يكاد يحدث عن ثقة».6 فوجود متروك في مدار الطريق يجعل إسناد ابن عباس شديد الضعف، ولا يصلح بمجرده للاعتبار.
وفي الإسناد أيضًا إسحاق بن وزير، وهو مجهول عند أبي حاتم، مما يزيد الطريق ضعفًا. وأما عبد الملك بن موسى فلم يتحرر لي تعيينه تحريرًا يطمأن إليه، فلا أجعل الكلام فيه عمدة في الحكم بعد وجود محمد بن مروان المتروك، وإسحاق بن وزير المجهول.
وله شاهد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه بلفظ: «مَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ فِي صِغَرِهِ كَالنَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ فِي كِبَرِهِ كَالَّذِي يَكْتُبُ عَلَى الْمَاءِ»، رواه الطبراني كما نقله الهيثمي، وفي إسناده مروان بن سالم الشامي، وقد ضعفه البخاري ومسلم وأبو حاتم.7 وهو في الجزء المفقود، كن حفظ السيوطي إسناده، قال: ««قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحزرمي، حدثنا ضرار بن صرد أبو نعيم، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، حدثنا مروان بن مسلم، عن أبي الدرداء فذكره». 8 مروان بن سالم الجزري متروك.
وروي نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَهُوَ شَابٌّ كَانَ كَوَشْمٍ فِي حَجَرٍ، وَمَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ بَعْدَمَا يَدْخُلُ فِي السِّنِّ كَانَ كَالْكَاتِبِ عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ»، رواه ابن عبد البر،9 من طريق صدقة بن عبد الله، عن طلحة بن زيد، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، مرفوعًا. وطلحة بن زيد متروك متهم، ومعه صدقة بن عبد الله وهو ضعيف، فالطريق شديد الضعف ولا يصلح لتقوية حديث ابن عباس.
وروي مرسلًا عن إسماعيل بن رافع قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَعَلَّمَ وَهُوَ شَابٌّ كَانَ كَوَشْمٍ فِي حَجَرٍ، وَمَنْ تَعَلَّمَ فِي الْكِبَرِ كَانَ كَالْكَاتِبِ عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ»، رواه البيهقي،10 ثم قال عقبه: «هذا منقطع». وإسماعيل بن رافع نفسه ضعيف؛ فلا ينهض هذا الوجه لتقوية المرفوع.11
وأما أصل العبارة فمعروف من كلام السلف؛ فقد روى البيهقي عن يزيد بن مَعْمَر، عن الحسن البصري أنه قال: «العلم في الصغر كالنقش على الحجر».12 ورواه الخطيب بلفظ: «الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر» عن الحسن.13 وهذا هو الذي يشهد لشهرة المعنى، لا لصحة رفعه إلى النبي ﷺ.
فالحديث من طريق ابن عباس شديد الضعف؛ ففي مداره محمد بن مروان القطان، وهو متروك عند الدارقطني، ويرويه عنه ابنه إسحاق الذي قال الدارقطني إنه ليس ممن يحتج به، وفي الطريق أيضًا إسحاق بن وزير المجهول. وشواهده المرفوعة لا تنهض؛ فطريق أبي الدرداء شديد الضعف، وطريق أبي هريرة فيه متروك، ومرسل إسماعيل بن رافع منقطع وفيه ضعف. فلا تتقوى هذه الطرق بعضها ببعض، لأنها ليست من الضعف المحتمل الذي ينجبر. والراجح أن الحديث مرفوع ضعيف جدًا، ولا يثبت عن النبي ﷺ، وإن كان أصل معناه مشهورًا من كلام بعض السلف.
(حِفْظُ الْغُلَامِ كَالْوَسْمِ فِي الْحَجَرِ) أي إن ما يحفظه الصغير في حداثة سنه يكون غالبًا أشد رسوخًا في ذاكرته، وشُبِّه أثر الحفظ بالوسم أو النقش في الحجر لبقائه وصعوبة زواله. (وَحِفْظُ الرَّجُلِ بَعْدَمَا يَكْبُرُ كَالْكِتَابِ عَلَى الْمَاءِ) أي إن الحفظ في الكبر قد يكون أشد مشقة وأسرع تفلتًا لكثرة الشواغل وضعف بعض القوى، فشبه بما يكتب على الماء فلا يثبت؛ وليس المراد أن الكبير لا يحفظ ولا يتعلم، فقد تعلم كثير من الصحابة والعلماء بعد الكبر، وإنما هو وصف للغالب، والحديث نفسه لا يثبت مرفوعًا.