أورده ابن حبان في «صحيحه»،1 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».2 وقال ابن حجر: «أخرج النسائي بسند صحيح عن أبي سعيد» ثم ذكر الحديث.3
لكن تعقب ابن القطان الفاسي سكوت عبد الحق الإشبيلي عن هذا الطريق، فقال: «وسكت عنه، وهو إنما يرويه عنده دَرَّاج أبو السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. ودَرَّاج يوثقه قوم ويضعفه آخرون»، وذكر إنكار أحمد والنسائي لحديثه، ثم عاد إلى هذا الحديث بعينه فقال: «وذكر من طريق النسائي عن أبي سعيد الخدري... قال موسى: يا رب علمني شيئًا أذكرك به... وسكت عنه، وهو من رواية عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، وقد تقدم».4 وقال الهيثمي: «رواه أبو يعلى، ورجاله وثقوا، وفيهم ضعف».5 وضعفه الألباني،6 والسناري،7 وحسين أسد،8 والعدوي مع بعض الباحثين.9
المصادر والمراجع
1صحيح ابن حبان (14/ 102 رقم 6218 ت شعيب الأرناؤوط)
2المستدرك على الصحيحين (1/ 710 رقم 1936)
3فتح الباري (11/ 211 ط السلفية)
4بيان الوهم والإيهام (4/ 372، 648-649 ت الحسين آيت سعيد)
5مجمع الزوائد (10/ 82 ت حسام الدين القدسي)
6ضعيف الترغيب والترهيب (رقم 923)
7مسند أبي يعلى - ت السناري (2/ 539 رقم 1393)
8مسند أبي يعلى (2/ 528 رقم 1393 ت حسين أسد)
9سلسلة الفوائد الحديثية والفقهية (10/ 18)
تخريج الحديث
رواه النسائي،1 والطبراني،2 وابن حبان،3 والحاكم،4 من طرق عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج أبي السَّمْح، عن أبي الهَيْثَم سليمان بن عَمرو العُتَواري، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، مرفوعًا. فهذا هو الطريق الأقوى للحديث، وفيه تصريح دَرَّاج بالتحديث لعمرو بن الحارث، ولا إشكال فيه من جهة الاتصال الظاهر؛ وإنما البحث في ضبط دَرَّاج لحديث أبي الهيثم خاصة.
ورواه البغوي،5 من طريق أبي الأسود النضر بن عبد الجبار، عن عبد الله بن لَهِيعة، عن دَرَّاج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، مرفوعًا بنحوه. وهذه ليست متابعة لدَرَّاج؛ لأن الطريقين يرجعان إليه، وإنما تابع ابن لهيعةُ عمروَ بن الحارث في الرواية عنه، فلا يزول بذلك موضع العلة الواقع بين دَرَّاج وأبي الهيثم.
فالحديث مداره مرفوعًا على دَرَّاج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. ودَرَّاج هو ابن سمعان، ويقال: اسمه عبد الرحمن ودَرَّاج لقب، أبو السَّمْح القرشي السهمي المصري. وقد اختلف النقاد فيه اختلافًا ظاهرًا؛ فقال يحيى بن معين في هذا الإسناد بعينه: «ما كان هكذا بهذا الإسناد فليس به بأس، دَرَّاج ثقة، وأبو الهيثم ثقة»، لكن قال أحمد: «حديثه منكر»، ونقل عنه أيضًا: «أحاديث دَرَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف»، وقال أبو داود: «أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد»، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وقال في موضع آخر: «منكر الحديث»، وقال أبو حاتم: «في حديثه ضعف»، وضعفه الدارقطني.6
وهذا النقد ليس جرحًا عامًا فحسب، بل إن كلام أحمد وأبي داود مخصوص بعين النسخة التي منها حديثنا: دَرَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وهذا أقوى في باب العلل من مجرد النظر إلى كون دَرَّاج صدوقًا في أصل حديثه. وفي مقابل ذلك فإن ابن معين قبل هذه النسخة نفسها، ولذلك فالخلاف قديم معتبر، وليس ضعف الحديث محل اتفاق.
وقال ابن عدي بعد أن ساق جملة من مناكير دَرَّاج: «وعامة الأحاديث التي أمليتها عن دَرَّاج مما لا يتابع عليه»، ثم رجى أن تكون سائر أحاديثه غير ما أنكره لا بأس بها.7 ولم يظهر أن ابن عدي عد هذا الحديث بعينه في الأحاديث التي سماها مناكير، إلا أن نقد أحمد وأبي داود لخصوص روايته عن أبي الهيثم باقٍ.
وروي معنى القصة من غير الوجه المرفوع؛ فرواه ابن أبي شيبة عن يحيى بن آدم، عن مُفَضَّل، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن كعب الأحبار، وفيه أن موسى عليه السلام سأل ربه عملًا يكون شكرًا، فأمره بـ«لا إله إلا الله»، وفي آخره: «لو أن السماوات السبع والأرضين السبع وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن».8. وهذا من قول كعب، لا من كلام النبي ﷺ، فلا يصح جعله شاهدًا مرفوعًا.
وروي أيضًا مرسلًا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، من طريق الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عنه، بنحو القصة، وروي من مرسل الحسن البصري بنحوها.9 وهذه الأوجه تدل على شهرة معنى القصة في الروايات غير المرفوعة، لكنها لا تجبر ضعف رفع دَرَّاج لها إلى النبي ﷺ؛ لأنها مراسيل وأخبار في قصة موسى، ويحتمل أن يكون مأخذها من أخبار بني إسرائيل.
وأما حديث البطاقة، وفيه أن بطاقة «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله» ترجح بتسعة وتسعين سجلًا من الذنوب، فهو شاهد لأصل عظم وزن التوحيد وفضله، وقد ذكره ابن كثير شاهدًا لمعنى حديث موسى، لكنه لا يشهد لخصوص الحوار بين موسى وربه ولا للفظ «السماوات السبع وعامرهن»؛ فصحة المعنى العام لا تستلزم صحة هذا الخبر بعينه.
فالمرفوع لا يعرف إلا من طريق دَرَّاج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، وتعدد المصنفين والرواة عن دَرَّاج لا يخرجه عن هذا المدار. وقد قبل هذه النسخة يحيى بن معين، وصحح الحديث ابن حبان والحاكم وابن حجر، لكن أحمد وأبا داود أعلّا روايات دَرَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد خاصة، مع تضعيف النسائي وأبي حاتم لدَرَّاج، وتعقب ابن القطان لهذا الحديث من هذه الجهة. ومع وجود القصة نفسها أو معناها في روايات غير مرفوعة عن كعب الأحبار وأبي بكر بن عبد الرحمن والحسن، لا يظهر ما يدفع علة الطريق المرفوع؛ فالراجح على طريقة أئمة العلل أن الحديث مرفوع ضعيف. وأما عظم فضل «لا إله إلا الله» وثقلها في الميزان فثابت بأدلة أخرى صحيحة، وأقواها حديث البطاقة، فلا يتوقف هذا المعنى على صحة حديث موسى.
المصادر والمراجع
1السنن الكبرى للنسائي (9/ 307 رقم 10602 ط الرسالة)
2الدعاء (ص435 رقم 1480)
3صحيح ابن حبان (14/ 102 رقم 6218 ت شعيب الأرناؤوط)
4المستدرك على الصحيحين (1/ 710 رقم 1936)
5شرح السنة (5/ 54 رقم 1273 ت شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش)
6تهذيب الكمال (8/ 478-479 ت بشار)
7تهذيب الكمال (8/ 479 ت بشار)
8مصنف ابن أبي شيبة (16/ 225 رقم 31436 ت الشثري)
9تاريخ دمشق (61/ 137-139 ت عمرو بن غرامة العمروي)
شرح الحديث
(قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ) أي سأل موسى عليه السلام ـ على فرض ثبوت الخبر ـ ربه ذكرًا يتقرب إليه به ودعاءً يتوسل به إليه. (قَالَ: يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي الزم كلمة التوحيد، وهي نفي العبادة بحق عما سوى الله وإثباتها لله وحده. (قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا) ليس المراد التقليل من شأنها، وإنما طلب ذكر يختص به فوق ما اشتهر على ألسنة المؤمنين. (قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) تكرار الأمر بها لبيان عظم شأنها وأن شيوعها على الألسنة لا ينقص من قدرها. (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ) أي أريد ذكرًا يختص بي من بين غيري. (لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي) أي لو جُمعت السماوات ومن فيها من المخلوقين، ولا يراد أن الله داخل في السماوات أو من عمارها، تعالى الله عن ذلك، وإنما المراد استثناء الخالق من جملة المخلوقات المفروضة في الوزن. (وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ) أي لو فرض وزن هذه المخلوقات العظيمة في جانب وكلمة التوحيد في جانب. (مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي رجحت بهن لعظم ما تتضمنه من توحيد الله والإخلاص له، وهذا اللفظ بعينه ضعيف الإسناد كما تقدم.