احتج به البخاري،1 ومسلم،2 وأصلحه أبو داود،3 وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ».4 وأورده ابن خزيمة في «صحيحه»،5 وابن حبان في «صحيحه».6
لكن زيادة عبد الكريم أبي أمية: «ولا حول ولا قوة إلا بالله» ليست من رواية سليمان الأحول؛ فقد روى الحميدي الحديث عن سفيان بن عيينة، فذكر أن عبد الكريم زادها، وقال سفيان: «ولم يقلها سليمان»، ونقل ابن حجر من طريق أبي نعيم عن علي بن المديني، عن سفيان أنه قال: «ليس هو في حديث سليمان»، ثم قال ابن حجر: «وقد وهم بعض أصحاب سفيان فأدرجها في حديث سليمان».7
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (2/ 48 رقم 1120 ط السلطانية)
2صحيح مسلم (1/ 532 رقم 769 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3سنن أبي داود (1/ 205 رقم 771 ت محيي الدين عبد الحميد)
4سنن الترمذي (5/ 481 رقم 3418 ت بشار)
5صحيح ابن خزيمة (2/ 184 رقم 1151 ت محمد مصطفى الأعظمي)
6صحيح ابن حبان (6/ 332 رقم 2597 ت شعيب الأرناؤوط)
7فتح الباري (3/ 6 ط السلفية)
تخريج الحديث
رواه البخاري،1 والنسائي،2 وابن خزيمة،3 وابن حبان،4 من طرق عن سفيان بن عيينة، عن سليمان بن أبي مسلم الأحول، عن طاووس، عن ابن عباس رضي الله عنهما، مرفوعًا. وصرح سليمان بسماعه من طاووس، وصرح طاووس بسماعه من ابن عباس في بعض طرق سفيان، فالإسناد متصل صحيح.
وهذا هو الطريق الذي جاء فيه اللفظ المذكور قريبًا من سياقه التام، وفيه «قَيِّمُ السماوات والأرض»، و«النبيون حق، ومحمد ﷺ حق»، و«أنت المقدم وأنت المؤخر»، وشك سفيان في آخره: «لا إله إلا أنت، أو: لا إله غيرك».5
ورواه مسلم،6 وأبو داود،7 والترمذي،8 وابن حبان،9 من طريق مالك بن أنس، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس، عن طاووس، عن ابن عباس، مرفوعًا بنحوه. ولفظه عند مسلم: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قِيَامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ...».10 فهذه طريق صحيحة مستقلة عن سليمان الأحول، وليس فيها زيادة «ولا حول ولا قوة إلا بالله».
ورواه مسلم أيضًا،11 وأبو داود،12 وابن خزيمة،13 من طريق عمران بن مسلم، عن قيس بن سعد، عن طاووس، عن ابن عباس، مرفوعًا بنحوه. وجاء في هذه الطريق عند أبي داود التصريح بموضع هذا الدعاء فقال: «كان في التهجد يقول بعد ما يقول الله أكبر، ثم ذكر معناه».14 فدل على أنه من دعاء استفتاح صلاة الليل.
فالحديث محفوظ عن طاووس، عن ابن عباس، من غير وجه صحيح؛ رواه عنه سليمان الأحول، وأبو الزبير، وقيس بن سعد، ولذلك قال الترمذي: «قد روي من غير وجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ».15 فلا إشكال في ثبوت أصل الحديث.
واختلفت ألفاظ الثقات في بعض كلماته؛ ففي طريق سليمان الأحول: «قَيِّمُ السماوات والأرض»، وفي طريق أبي الزبير: «قِيَامُ السماوات والأرض»، وجاء في بعض الألفاظ: «ملك السماوات والأرض»، وفي بعضها: «رب السماوات والأرض ومن فيهن»، كما اشتملت بعض الروايات على «النبيون حق، ومحمد حق» دون بعض. وهذا اختلاف ألفاظ محفوظة في حديث طويل روي بالمعنى في بعض طرقه، ولا يقدح في أصله، ولا يلزم تركيب جميع الألفاظ في رواية واحدة.
وأما قول سفيان عقب الحديث: «وزاد عبد الكريم أبو أمية: ولا حول ولا قوة إلا بالله»، فعبد الكريم هو ابن أبي المُخَارِق، أبو أمية البصري، وهذه الجملة لم يسندها سفيان عن سليمان الأحول، بل ميزها من حديثه. وقد نقل ابن حجر رواية الحميدي عن سفيان وفيها بعد ذكر الزيادة: «ولم يقلها سليمان»، ونقل من طريق أبي نعيم عن علي بن المديني، عن سفيان أنه كان إذا بلغ عند عبد الكريم آخر حديث سليمان فقال: «ولا إله غيرك»، قال عبد الكريم: «ولا حول ولا قوة إلا بالله»، فقال سفيان: «ليس هو في حديث سليمان».16
وقد وقع الإدراج في بعض الروايات؛ فرواية قتيبة عن سفيان عند النسائي أدرجت في آخر المتن: «ولا حول ولا قوة إلا بالله».17 لكن تصريح سفيان نفسه بالتفريق بين حديث سليمان وزيادة عبد الكريم مقدم في تحرير الرواية، ولهذا قال ابن حجر: «وقد وهم بعض أصحاب سفيان فأدرجها في حديث سليمان».18
ويؤكد ذلك أن الطريقين الصحيحين المستقلين عن طاووس، طريق أبي الزبير وطريق قيس بن سعد، ليس فيهما ذكر «ولا حول ولا قوة إلا بالله».رواه مسلم،19 وأبو داود.20 فلا يصح جعلها جزءًا محفوظًا من هذا الدعاء بسبب ورودها مدرجة في بعض طرق سفيان.
ولا يعني ذلك ضعف جملة «لا حول ولا قوة إلا بالله» في نفسها؛ فهي ثابتة صحيحة في أحاديث أخرى، وإنما الكلام في ثبوتها جزءًا من دعاء ابن عباس هذا، وبين الأمرين فرق.
فالحديث صحيح ثابت عن ابن عباس من طرق متعددة صحيحة عن طاووس، وألفاظه وقع فيها اختلاف محفوظ لا يضر أصل الخبر. وأما زيادة «ولا حول ولا قوة إلا بالله» فقد ميزها سفيان بن عيينة نفسه من حديث سليمان، وصرح بأنها ليست فيه، وأدرجها بعض أصحابه في المتن، كما نبه ابن حجر؛ فالمحفوظ أن هذه الزيادة ليست من حديث سليمان الأحول، ولا تثبت جزءًا من هذا الدعاء بمجرد الروايات التي أدرجتها.
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (2/ 48 رقم 1120 ط السلطانية)
2سنن النسائي (3/ 209 رقم 1619 ت عبد الفتاح أبو غدة)
3صحيح ابن خزيمة (2/ 184 رقم 1151 ت محمد مصطفى الأعظمي)
4صحيح ابن حبان (6/ 332 رقم 2597 ت شعيب الأرناؤوط)
5صحيح البخاري (2/ 48 رقم 1120 ط السلطانية)
6صحيح مسلم (1/ 532 رقم 769 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
7سنن أبي داود (1/ 205 رقم 771 ت محيي الدين عبد الحميد)
8سنن الترمذي (5/ 481 رقم 3418 ت بشار)
9صحيح ابن حبان (6/ 334 رقم 2598 ت شعيب الأرناؤوط)
10صحيح مسلم (1/ 532 رقم 769 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
11صحيح مسلم (1/ 532 رقم 769 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
12سنن أبي داود (1/ 205 رقم 772 ت محيي الدين عبد الحميد)
13صحيح ابن خزيمة (2/ 184 رقم 1152 ت محمد مصطفى الأعظمي)
14سنن أبي داود (1/ 205 رقم 772 ت محيي الدين عبد الحميد)
15سنن الترمذي (5/ 481 رقم 3418 ت بشار)
16فتح الباري (3/ 6 ط السلفية)
17سنن النسائي (3/ 209 رقم 1619 ت عبد الفتاح أبو غدة)
18فتح الباري (3/ 6 ط السلفية)
19صحيح مسلم (1/ 532 رقم 769 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
20سنن أبي داود (1/ 205 رقم 772 ت محيي الدين عبد الحميد)
شرح الحديث
(كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ) أي إذا قام لصلاة الليل بعد نوم، والتهجد صلاة الليل، وقد بينت رواية قيس بن سعد أن هذا الدعاء كان يقوله بعد التكبير. (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) أي لك وحدك الحمد الكامل على ذاتك وصفاتك وأفعالك ونعمتك. (أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) أي القائم على خلقك بالحفظ والتدبير والإقامة، فلا قيام لهم ولا بقاء إلا بك، وجاء في الرواية الأخرى «قيام السماوات والأرض» والمعنى متقارب. (وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) أي الملك كله لله خلقًا وتصرفًا وتدبيرًا، لا يخرج شيء عن سلطانه. (وَلَكَ الْحَمْدُ، نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي بنوره سبحانه يستنير الوجود ويهتدي أهل السماوات والأرض، وهو سبحانه نور السماوات والأرض كما وصف نفسه. (وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ) أي الثابت وجوده وألوهيته وربوبيته وصفاته، الذي لا شك فيه ولا بطلان. (وَوَعْدُكَ الْحَقُّ) أي ما وعد الله به عباده واقع لا يتخلف. (وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) أي لقاء العباد ربهم بعد البعث والحساب ثابت واقع. (وَقَوْلُكَ حَقٌّ) أي خبر الله وحكمه كله صدق وعدل لا يأتيه الباطل. (وَالْجَنَّةُ حَقٌّ) أي موجودة ثابتة وهي دار أوليائه. (وَالنَّارُ حَقٌّ) أي ثابتة موجودة وهي دار العذاب لمن شاء الله تعذيبه. (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ) أي إرسال الله أنبياءه إلى عباده حق، وما جاءوا به من عنده حق. (وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ) أي رسالته ونبوته وما جاء به من عند الله حق. (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي قيام القيامة والبعث والحساب حق لا ريب فيه. (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) أي انقدت لك ظاهرًا وباطنًا وفوضت أمري إليك. (وَبِكَ آمَنْتُ) أي صدقت بك وبما أخبرت به إيمانًا جازمًا. (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي اعتمدت عليك وفوضت إليك أمري مع فعل الأسباب المشروعة. (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) أي رجعت إليك بالطاعة والتوبة والقلب. (وَبِكَ خَاصَمْتُ) أي بما أعطيتني من حجتك وبيانك وعونك خاصمت من خالف الحق. (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) أي جعلت حكمك وشرعك المرجع فيما يقع فيه النزاع. (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ) أي اغفر لي ما سبق من ذنبي وما تأخر، وهو من كمال عبودية النبي ﷺ واستغفاره مع مغفرة الله له. (وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ) أي ما وقع مني في الخفاء وما ظهر للخلق. (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) أي تقدم من تشاء بفضلك وحكمتك وتؤخر من تشاء بعدلك وحكمتك، والأمر كله إليك. (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ) أي لا معبود بحق سواك، والشك في اللفظ من سفيان، والمعنى واحد. (وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) هذه حكاية من سفيان عن زيادة عبد الكريم وليست من المتن المحفوظ عن سليمان الأحول، ومعناها في نفسها صحيح: لا تحول للعبد من حال إلى حال ولا قوة له على طاعة أو دفع شر إلا بإعانة الله وتوفيقه، لكن لا تثبت بهذه الرواية جزءًا من هذا الدعاء.
فوائد الحديث
كان النبي ﷺ يقوم من الليل، فيُقرُّ بأن الجنة حق، والنار حق، والساعة حق، ثم يسأل الله أن يغفر له ما أسرَّ وما أعلن! فإذا كان خير الخلق يقوم خاشعًا يسأل المغفرة، فكيف يأمن الحساب من امتلأ ليله بالمعاصي، ونهاره بالغفلة؟! ليست حقيقة الإيمان بالآخرة أن تقول: «الساعة حق»، ثم تعيش كأنها لن تقوم؛ وإنما أن تستحضر الحساب حتى في خلواتك! وأعظم الغفلة أن تؤمن بأن الله يعلم سرك، ثم تجعل خلواتك به أهون عليك من حضور الناس.