قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجا للصَّقْعَب بن زهير، فإنه ثقة قليل الحديث».1 وقال الهيثمي: «رجال أحمد ثقات».2 وصححه الألباني،3 ومحققو المسند.4
المصادر والمراجع
1المستدرك على الصحيحين (1/ 337 ط الرسالة)
2مجمع الزوائد (4/ 222 ت حسام الدين القدسي)
3السلسلة الصحيحة (رقم 134 ط مكتبة المعارف)
4مسند أحمد (11/ 150 رقم 6583 ط الرسالة)
تخريج الحديث
رواه البخاري في «الأدب المفرد»،1 وأحمد،2 والطبراني،3 والحاكم،4 من طرق عن حماد بن زيد، عن الصَّقْعَب بن زهير، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، مرفوعًا. وفي رواية حماد عند أحمد قال زيد بن أسلم - أو قال حماد في وصله -: «أظنه عن عطاء بن يسار»، وفي «الأدب المفرد»: «لا أعلمه إلا عن عطاء بن يسار»، فوقع في هذا الطريق شيء من التردد في ذكر عطاء، لا جزم بإسقاطه.
ورواه أحمد من طريق وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، قال: «سمعت الصَّقْعَب بن زهير يحدث، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو»، فوصله جرير بلا تردد، ولفظه: «إِنَّ نُوحًا عليه السلام لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا ابْنَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي قَاصِرٌ عَلَيْكُمَا الْوَصِيَّةَ...» وذكر «لا إله إلا الله» و«سبحان الله وبحمده» والنهي عن الشرك والكبر.5 وهذه الطريق هي التي ترفع الاحتمال الواقع في رواية حماد؛ فجرير بن حازم حمل الحديث عن الصَّقْعَب نفسه، وصرح الصَّقْعَب فيه بعطاء بن يسار.
ورواه الحاكم من الوجهين جميعًا؛ فرواه من طريق أبي الربيع الزهراني وأحمد بن إبراهيم، عن حماد بن زيد، عن الصَّقْعَب، ورواه من طريق أبي قدامة، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، قال: سمعت الصَّقْعَب بن زهير، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو. ثم قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجا للصَّقْعَب بن زهير، فإنه ثقة قليل الحديث»، ونقل عن أبي زرعة قوله في الصَّقْعَب: «ثقة»، ثم تعرض صراحة لاختلاف الوصل والإرسال فقال: «وهذا من الجنس الذي نقول: إن الثقة إذا وصله لم يضره إرسال غيره».6 فالحاكم لم يَخْفَ عليه الوجه المرسل، بل رآه ورجح الموصول عليه.
والصَّقْعَب بن زهير الأزدي الكوفي هو مدار الطريق الصحيح عن زيد بن أسلم. قال أبو زرعة: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «شيخ ليس بالمشهور»، وذكره ابن حبان في «الثقات».7 وروى عنه جماعة، منهم حماد بن زيد وجرير بن حازم وعباد بن عباد، فليس مجهول العين، وتوثيق أبي زرعة فيه صريح، وإن كان قول أبي حاتم يفيد قلة شهرته.8
وروي الحديث مرسلًا؛ رواه أحمد في «الزهد» من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن عبد الرحمن بن المُجَبَّر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: «قال نوح عليه السلام لابنه...».9 ومحمد بن عبد الرحمن بن المُجَبَّر ضعيف، بل قال فيه يحيى بن معين: «ليس بشيء»، وقال أبو زرعة: «واه»، وقال النسائي وجماعة: «متروك».10 فلا يصلح هذا الطريق لمعارضة الرواية الموصولة التي رواها حماد بن زيد وجرير بن حازم عن الصَّقْعَب، ولهذا كان ترجيح الحاكم للوصل متجهًا.
وجاء عن زيد بن أسلم أيضًا من طريق هشام بن سعد، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو موصولًا، رواه الطبراني،11 وذكره ابن عساكر من طرق.12 إلا أن الطرق إلى هشام لا تخلو من مقال، فلا يحتاج إليها في أصل التصحيح بعد ثبوت طريق الصَّقْعَب.13
وجاء الحديث من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، واختلف عنه في تعيين الصحابي؛ فرواه عبد الرحيم بن سليمان، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، مرفوعًا. أخرجه الطبراني.14 وخالفه أبو معاوية الضرير، فرواه عن ابن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، مرفوعًا. أخرجه البزار15 من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي معاوية. وقال البزار: «لا نعلم أحدًا رواه عن عمرو، عن ابن عمر، إلا ابن إسحاق، ولا نعلم حدث به عن أبي معاوية إلا إبراهيم بن سعيد».
وقد رجح ابن كثير16 أن الصواب عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: «والظاهر أنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، كما رواه أحمد والطبراني». وأصل الحديث أخرجه أحمد17 من طريق حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، وهو طريق مستقل عن ابن إسحاق. فلا يُعد طريق ابن عمر شاهدًا مستقلًا؛ لأن الاختلاف وقع في تعيين الصحابي مع اتحاد مدار الرواية على محمد بن إسحاق.
واختلف لفظ الرواية في «ابنه» و«ابنيه»؛ فرواية حماد بن زيد عن الصَّقْعَب فيها: «قال لابنه»،18 ورواية جرير بن حازم عن الصَّقْعَب فيها: «دعا ابنيه».19 وكذلك وقع الاختلاف في «قاصٌّ عليك الوصية» و«قاصرٌ عليكما الوصية»، وفي «قصمتهن» و«لفصمتها أو لقصمتها». وهذا اختلاف في اللفظ لا يقدح في أصل الخبر، ولا يصح طمسه عند إثبات المتن.
فالحديث يدور في أصح طرقه على الصَّقْعَب بن زهير، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو. وتردد حماد بن زيد في ذكر عطاء لا يعل الحديث؛ لأن جرير بن حازم رواه عن الصَّقْعَب نفسه موصولًا بلا تردد، وقد وثق أبا زرعة الصَّقْعَب، وروى عنه جماعة. وأما الوجه المرسل عن عطاء فطريقه ضعيف بمحمد بن عبد الرحمن بن المُجَبَّر، فلا يقاوم الموصول، وقد تنبه الحاكم نفسه إلى الاختلاف ورجح الوصل. فالراجح أن الحديث مرفوع صحيح، مع إثبات اختلاف الروايات في «ابنه/ابنيه» وبعض ألفاظ الوصية.
المصادر والمراجع
1الأدب المفرد (ص192 رقم 548 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2مسند أحمد (11/ 150 رقم 6583 ط الرسالة)
3المعجم الكبير (13/ 660 رقم 14585 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
4المستدرك على الصحيحين (1/ 337 ط الرسالة)
5مسند أحمد (11/ 670 رقم 7101 ط الرسالة)
6المستدرك على الصحيحين (1/ 337 ط الرسالة)
7تهذيب الكمال (13/ 219 ت بشار)
8تهذيب الكمال (13/ 219 ت بشار)
9الزهد لأحمد (ص45 رقم 282)
10ميزان الاعتدال (3/ 621 ط دار المعرفة)
11الدعاء (ص488 رقم 1714)
12تاريخ دمشق (62/ 283 ت عمرو بن غرامة العمروي)
13تاريخ دمشق (62/ 283-286 ت عمرو بن غرامة العمروي)
14المعجم الكبير (رقم 14326 ت فريق من الباحثين بإشراف سعد الحميد وخالد الجريسي)
15كشف الأستار (4/ 7 رقم 3069 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
16البداية والنهاية (1/ 136 ت علي شيري)
17مسند أحمد (11/ 150 رقم 6583 ط الرسالة)
18مسند أحمد (11/ 150 رقم 6583 ط الرسالة)
19مسند أحمد (11/ 670 رقم 7101 ط الرسالة)
شرح الحديث
(إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا عليه السلام لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) أي لما ظهرت أمارات موته وقرب انتقاله من الدنيا. (قَالَ لِابْنِهِ) وفي الطريق الآخر: «دَعَا ابْنَيْهِ»، وقد اختلف اللفظ في ذلك كما تقدم. (إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ) أي أختصرها وأجمعها لك في كلمات قليلة تحفظها، وجاء في الرواية الأخرى: «قاصرٌ عليكما الوصية» أي مقتصر بها عليكما وموجزها لكما. (آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ) أي جمع له أصول الخير فيما أمر به، وأصول الشر فيما نهاه عنه. (آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي بلزوم كلمة التوحيد وما تدل عليه من إفراد الله بالعبادة ونفيها عما سواه، لا مجرد التلفظ بها دون تحقيق معناها. (فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بيان لعظم كلمة التوحيد وثقلها في الميزان، لما اشتملت عليه من أعظم حق لله تعالى. (وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً) أي حلقة مغلقة محكمة لا فرجة فيها. (قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي كسرتها وفصلتها لشدة ما لهذه الكلمة من قدر وعظمة، وجاء في الطريق الآخر: «لفصمتها أو لقصمتها». (وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ) أي أنزه الله عن كل نقص تنزيهًا مقرونًا بحمده وإثبات كماله. (فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ) أي تسبيح المخلوقات وعبادتها لله تعالى، ويشهد لأصل ذلك قول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. (وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ) أي جعل الله تسبيح مخلوقاته وحمدها من أسباب ما يجريه عليها من رزقه وفضله، وهذا خبر غيبي يثبت بهذا الحديث. (وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ) أي عن صرف شيء من العبادة لغير الله، وهو أعظم الذنوب. (وَالْكِبْرِ) وهو التعاظم المذموم الذي فسّره النبي ﷺ في تمام الرواية بقوله: «سَفَهُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ»، أي رد الحق واحتقار الخلق.1
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (11/ 150 رقم 6583 ط الرسالة)
فوائد الحديث
لو وُضعت السماوات السبع والأرضون السبع في كفة، و«لا إله إلا الله» في كفة، رجحت بهن كلمة التوحيد! ثم يأتي الإنسان، وهو أضعف من أن يدفع عن نفسه الموت، فيتكبر على الخلق ويشرك بالخالق! وما أعجب قلبًا يعترف بأن الله وحده المستحق للعبادة، ثم ينازع الناس في عظمةٍ لا يملكها! لقد جمع نوحٌ عليه السلام في وصيته بين النهي عن الشرك والكبر؛ فالمشرك لم يعرف قدر ربه، والمتكبر لم يعرف قدر نفسه. ومن عرف عظمة الله صغرت في عينه الدنيا، ومن جهل قدر نفسه عظمت في عينه حتى رأى أنه فوق الناس.