تخريج حديث 2136: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا…»
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ.”
قال البخاري بعد ذكر الاختلاف على عَمرو بن مَيمون في صحابي الحديث: «والأول أشبه»، يعني رواية محمد بن السائب بن بَرَكة، عن عمرو بن ميمون، عن أبي ذر.1 وقال أبو حاتم في المفاضلة بين طريق شعبة عن أبي بَلْج عن عمرو بن ميمون عن أبي هريرة، وطريق ابن عيينة عن محمد بن السائب عن عمرو عن أبي ذر: «حديث ابن عيينة أصح».2 وأورده ابن حبان في «صحيحه».3 وقال محققو المسند في طريق ابن عيينة: «إسناده صحيح»،4 وقالوا في الطريق الآخر عن الأعمش: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».5 وصححه الألباني.6
رواه أحمد،1 والنسائي،2 وابن حبان،3 من طرق عن سفيان بن عُيَيْنة، عن محمد بن السائب بن بَرَكة، عن عَمرو بن مَيمون الأَوْدي، عن أبي ذر رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ أحمد: «كُنْتُ أَمْشِي خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ».4
وهذا الطريق متصل محفوظ؛ فقد روى البخاري عن الحميدي، عن ابن عيينة، قال: «حدثنا محمد، سمع عمرو بن ميمون، سمع أبا ذر»، فصرح بالسماع في موضعي الإسناد.5 وهذه فائدة مهمة؛ إذ لا يبقى في هذا الطريق احتمال انقطاع بين محمد بن السائب وعمرو، ولا بين عمرو وأبي ذر.
وقد وقع الاختلاف على عمرو بن ميمون؛ فرواه محمد بن السائب بن بَرَكة عنه عن أبي ذر كما تقدم، ورواه شعبة عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة، ورواه حاتم بن أبي صغيرة عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو. وقد جمع البخاري هذه الوجوه ثم رجح طريق أبي ذر بقوله: «والأول أشبه».6 ووافقه أبو حاتم فقال: «حديث ابن عيينة أصح».7 وأما أبو زرعة فتوقف، فقال عن طريق أبي هريرة: «غامض»، ثم لما سئل أيهما أصح قال: «في هذا نظر».8
وذكر الدارقطني هذا الاختلاف أيضًا، فقال: «حدث به محمد بن السائب بن بركة، عن عمرو بن ميمون، عن أبي ذر. واختلف عن عمرو بن ميمون؛ فرواه حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو. ورواه شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة. والله أعلم بالصواب».9 فلم يجزم الدارقطني بأحد الوجوه هنا، لكن ترجيح البخاري وأبي حاتم لطريق أبي ذر ظاهر، ويؤيده أن الاختلاف إنما جاء في رواية أبي بلج، أما محمد بن السائب فرواه عن عمرو بن ميمون عن أبي ذر بسند مصرح بالسماع.
وللحديث عن أبي ذر طريق آخر مستقل؛ رواه أحمد،10 وابن ماجه،11 والنسائي،12 من طرق عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ذر رضي الله عنه، مرفوعًا. ولفظ النسائي هو نفس اللفظ المختصر: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ».13 ورواه أحمد أيضًا من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن الأعمش بهذا الإسناد.14 فطريق الأعمش محفوظ عنه من غير وجه.
ويشهد للحديث شاهد صحيح مستقل من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال له: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟» فقال: بلى، فقال: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»؛ احتج به مسلم.15 وقد جاء عنه من طرق متعددة في الصحيح.16
فالحديث ثابت عن أبي ذر من طريقين مشهورين: طريق محمد بن السائب بن بَرَكة، عن عمرو بن ميمون، وهو الطريق الذي رجحه البخاري بقوله: «والأول أشبه»، وأبو حاتم بقوله: «حديث ابن عيينة أصح»، وطريق الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ذر. ومع ذلك فقد ثبت المتن نفسه ثبوتًا لا إشكال فيه من حديث أبي موسى الأشعري في «صحيح مسلم». فالراجح أن حديث أبي ذر مرفوع صحيح، وليس تصحيحه قائمًا على الشاهد وحده، بل له عن أبي ذر نفسه طريق محفوظ رجحه أئمة العلل، وطريق آخر يقويه.
(لَا حَوْلَ) أي لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا حيلة له ولا قدرة مستقلة على دفع شر أو تحصيل خير. (وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) أي لا قدرة للعبد على طاعة ولا ترك معصية ولا تحصيل منفعة ولا دفع مضرة إلا بإعانة الله وتوفيقه، فهي كلمة افتقار واستعانة وتفويض، وليست نفيًا لقدرة العبد التي خلقها الله فيه، وإنما نفي لاستقلاله بها عن ربه. (كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ) أي أن ثواب هذه الكلمة نفيس عظيم مدخر لصاحبها في الجنة، فشبه بالكنز لنفاسته وادخاره.
«لا حول ولا قوة إلا بالله» كنزٌ من كنوز الجنة؛ لأن أعظم ما يملكه العبد أن يعرف أنه لا يملك شيئًا إلا بالله! قد يملك الإنسان المال والسلطان والقوة، ثم يعجز عن قهر شهوةٍ في نفسه، أو دفع بلاءٍ عن جسده! فليس الضعيف من قلّت أسبابه، وإنما من اتكل عليها ونسي ربها؛ وليس القوي من اغتر بقدرته، وإنما من استعان بقدرة الله على عجزه! وما أعجب عبدًا يفتقر إلى ربه في كل نَفَس، ثم يغتر بنفسه كأنه يملك أمرها؛ فمن عرف عجزه عرف عظمة ربه، ومن جهل عجزه اغتر بقوةٍ لا يملك بقاءها.