قال المنذري بعد عزوه للطبراني: «فيه شهر بن حوشب».1 وقال العراقي: «الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بسند ضعيف».2 وقال الهيثمي: «فيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف وقد وثق».3 وقال أحمد بن الصديق الغماري: «وسنده ضعيف كما هو ظاهر».4 وضعفه الألباني.5
المصادر والمراجع
1الترغيب والترهيب (1/ 102 ت إبراهيم شمس الدين)
2المغني عن حمل الأسفار (ص223 ط دار ابن حزم)
3مجمع الزوائد (1/ 189 ت حسام الدين القدسي)
4المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي (2/ 96 ط دار الكتبي)
5السلسلة الضعيفة (رقم 2524 ط مكتبة المعارف)
تخريج الحديث
رواه الطبراني،1 والقضاعي،2 من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة الحِمصي، عن شَهْر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، مرفوعًا. ولفظ الطبراني أتم: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ ضَرَّهُ جَهْلُهُ، اقْرَأِ الْقُرْآنَ مَا نَهَاكَ، فَإِنْ لَمْ يَنْهَكَ فَلَسْتَ تَقْرَؤُهُ»، واقتصر القضاعي على الجملتين الأخيرتين.
ورواه ابن عبد البر من الطريق نفسه عن إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن شَهْر، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، واقتصر على قوله: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ فِقْهُهُ ضَرَّهُ جَهْلُهُ».3
فالطرق المرفوعة عن عبد الله بن عمرو ترجع إلى إسناد واحد: إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن شَهْر بن حوشب. والعلة الأشد في هذا الطريق ليست شَهْرًا وحده، بل عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة الحِمصي، وقد اشتد كلام النقاد فيه؛ فقال يحيى بن معين: «ضعيف، لم يحدث عنه إلا إسماعيل بن عياش»، وقال أبو زرعة: «مضطرب الحديث، واهي الحديث»، وقال أبو حاتم: «عجيب، ضعيف، منكر الحديث... يروي أحاديث مناكير»، وقال الجوزجاني: «غير محمود في الحديث»، وقال أبو داود: «ليس بشيء»، وقال النسائي: «ليس بثقة، ولا يكتب حديثه».4 وقال الدارقطني فيه: «متروك». فمثل هذا لا يصلح تفرده لحديث مرفوع، ولا ينجبر بمجرد وجود شَهْر فوقه أو شهرة معنى الخبر.
وأما إسماعيل بن عياش فروايته هنا عن شامي حِمصي، فلا يجعل ضعف الحديث من جهته أصلًا؛ وإنما الآفة في شيخه عبد العزيز نفسه، وهو ضعيف عند أئمة الشأن. وشَهْر بن حوشب مختلف فيه أيضًا، وفي حفظه مقال، فيزداد الإسناد ضعفًا به، لكن الاقتصار على قول: «فيه شهر» كما وقع في بعض كتب التخريج لا يكشف العلة الأشد في الطريق.
وروي قوله: «اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه» مرفوعًا من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه؛ من طريق محمد بن كثير الكوفي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن النعمان. ولما ذكر ابن الجنيد ليحيى بن معين أن محمد بن كثير روى هذا الحديث ضمن أحاديث منكرة وسأله عنه، استنكر يحيى روايته أشد الاستنكار، حتى قال فيمن رواها عنه ما يدل على اتهامه إن كان هو الذي حدث بها.5 ورواه الخطيب بهذا السياق.6 وقال الدارقطني إن محمد بن كثير الكوفي تفرد به عن إسماعيل بن أبي خالد.7 فهذه الطريق منكرة، ولا تصلح لتقوية حديث عبد الله بن عمرو.
واللافت أن نفس اللفظ روي من كلام مكحول الشامي، لا مرفوعًا؛ رواه أبو نعيم،8 من طريق عمر بن أيوب الموصلي، عن مُغيرة بن زياد، عن مكحول قال: «مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ ضَرَّهُ جَهْلُهُ، اقْرَأِ الْقُرْآنَ مَا نَهَاكَ، فَإِذَا لَمْ يَنْهَكَ فَلَسْتَ تَقْرَؤُهُ». وهذا اللفظ مطابق تقريبًا للحديث المرفوع.
ومُغيرة بن زياد مختلف فيه، إلا أن هذا الطريق إلى مكحول أقوى بكثير من الطريق المرفوع الذي فيه عبد العزيز بن عبيد الله؛ فمُغيرة قال فيه ابن معين في رواية: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «شيخ، صالح، صدوق، ليس بذاك القوي»، وتكلم فيه أحمد من جهة مناكيره، ولا سيما ما يرفعه. وهذا هنا من كلام مكحول لا من مرفوعات مُغيرة، فيبقى صالحًا في الجملة لإثبات اشتهار هذا المعنى عن مكحول.
ونبّه أحمد بن الصديق الغماري إلى أنه ورد كذلك من قول الحسن البصري، وساق طريق الدولابي عن عبد الله بن شُبْرُمة، عن الحسن بلفظ: «اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه، رب حامل فقه غير فقيه، ومن لم ينفعه علمه ضره جهله».9 ثم ذكر الطريق المرفوع عن النعمان بن بشير وما وقع فيه من نكارة.
وأما صدر رواية الطبراني: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ»، فأصل هذا المعنى ثابت من أحاديث صحيحة مستقلة في حديث «نضَّر الله امرأً سمع منا حديثًا...» وغيره، لكن صحة هذه الجملة من طرق أخرى لا تصحح ما عطف عليها في هذا الإسناد من قوله: «ومن لم ينفعه علمه...» و«اقرأ القرآن ما نهاك».
فالحديث المرفوع عن عبد الله بن عمرو مداره على عبد العزيز بن عبيد الله الحِمصي، وقد تفرد عنه إسماعيل بن عياش، وعبد العزيز شديد الضعف عند النقاد؛ قال أبو داود: «ليس بشيء»، والنسائي: «ليس بثقة ولا يكتب حديثه»، وأبو حاتم: «منكر الحديث»، والدارقطني: «متروك». ولم نجد للمرفوع طريقًا صالحًا ينجبر به؛ فالطريق عن النعمان بن بشير منكر أنكره يحيى بن معين، ولا يصلح شاهدًا. وفي المقابل ثبت اشتهار هذه الكلمات من كلام مكحول، ورويت من كلام الحسن البصري أيضًا؛ ولذلك فالراجح أن نسبة هذا السياق إلى النبي ﷺ شديدة الضعف، وأن له أصلًا باعتباره حكمة مأثورة عن بعض السلف، لا حديثًا مرفوعًا ثابتًا.
المصادر والمراجع
1المعجم الكبير (13/ 622 رقم 14543 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
2مسند الشهاب (1/ 245 رقم 392 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
3جامع بيان العلم وفضله (1/ 190 رقم 200)
4تهذيب الكمال (18/ 171-172 ت بشار)
5سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين (ص489 رقم 887 ت أحمد محمد نور سيف)
6تاريخ بغداد (4/ 314 ت بشار)
7أطراف الغرائب والأفراد (2/ 151)
8حلية الأولياء (5/ 178 ط دار الكتاب العربي)
9المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي (2/ 96 ط دار الكتبي)
شرح الحديث
(مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ ضَرَّهُ جَهْلُهُ) أي من تعلم العلم ثم لم ينتفع به عملًا واهتداءً بقيت فيه آفة الجهل مع قيام الحجة عليه بما علم، وهذا معنى صحيح في الجملة وإن لم يثبت هذا اللفظ مرفوعًا. (اقْرَأِ الْقُرْآنَ مَا نَهَاكَ) أي تكون قراءتك نافعةً لك ما دام القرآن يزجرك عن معصية الله ويحملك على امتثال أمره؛ فالمقصود أثر التلاوة في القلب والعمل، لا مجرد تحريك اللسان. (فَإِذَا لَمْ يَنْهَكَ فَلَسْتَ تَقْرَؤُهُ) أي لم تحقق المقصود الأعظم من القراءة وهو الاتعاظ والانقياد، وليس المراد نفي حقيقة القراءة شرعًا عمن عصى وهو يتلو القرآن؛ وهذه عبارة زجر ومبالغة في الحث على العمل، وهي مع ذلك لم تثبت عن النبي ﷺ بهذا الإسناد.