تخريج حديث 2138: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ.»
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ.”
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ.”
قال ابن عبد البر: «هذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ»، وقال عن طريق عبد الرحيم بن زيد: «وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم بن زيد... والكلام أيضًا منكر عن النبي ﷺ».1 وقال ابن عبد البر في طريق جابر: «هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غصين مجهول».2 وقال البيهقي: «هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إسناد».3 وقال ابن حزم: «هذه رواية ساقطة»، ثم قال: «هذا منها بلا شك»، وحكم على الخبر بأنه مكذوب موضوع باطل.4 وقال ابن الملقن بعد استقصاء طرقه: «فتلخص ضعف جميع هذه الطرق».5 وقال العلائي في طريق جابر: «الحديث شاذ بمرة».6 وقال ابن القيم: «مشهور روي من طرق ولا يثبت منها شيء».7 وحكم الألباني عليه بالوضع.8
رواه عبد بن حميد،1 من طريق أحمد بن يونس، عن أبي شهاب الحنَّاط، عن حمزة بن أبي حمزة الجَزَري، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، مرفوعًا بلفظ: «مَثَلُ أَصْحَابِي مَثَلُ النُّجُومِ يُهْتَدَى بِهَا، فَأَيُّهُمْ أَخَذْتُمْ بِقَوْلِهِ اهْتَدَيْتُمْ». وهذا طريق تالف؛ فإن حمزة بن أبي حمزة النصيبي شديد الضعف، قال ابن معين: «لا يساوي فلسًا»، وقال البخاري: «منكر الحديث»، وقال النسائي والدارقطني: «متروك الحديث»، وقال ابن عدي: «عامة مروياته موضوعة»، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالموضوعات.2 فهذه الطريق لا تصلح للاعتبار أصلًا.
ورواه الدارقطني،3 وابن عبد البر،4 من طريق عبد الله بن روح، عن سلَّام بن سليمان، عن الحارث بن غُصين، عن الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر رضي الله عنه، مرفوعًا: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ». ووقع في مطبوعة «المؤتلف والمختلف»: «سلَّام بن الحارث»، والصواب سلَّام بن سليمان أو سلَّام بن سليم كما جاءت الرواية من طريق الدارقطني عند ابن حزم وابن عبد البر وغيرهما.5
وقد أعل ابن عبد البر هذه الطريق بالحارث بن غصين فقال: «هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غصين مجهول».6 لكن علة الطريق أشد من ذلك؛ فإن سلام بن سليمان هذا شديد الضعف، وقد قال ابن حزم: «سلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك».7 فهذه الطريق لا تصلح لتقوية غيرها.
ورواه القضاعي،8 من طريق جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: «مَثَلُ أَصْحَابِي مَثَلُ النُّجُومِ، مَنِ اقْتَدَى بِشَيْءٍ مِنْهَا اهْتَدَى». وهذه الطريق موضوعة أو قريبة من ذلك؛ فإن جعفر بن عبد الواحد قال فيه الدارقطني: «يضع الحديث»، وقال أبو زرعة: روى أحاديث لا أصل لها، وقال ابن عدي: كان يتهم بوضع الحديث ويسرقه، وقال الذهبي عن هذا الخبر بعينه: «هذا من بلايا جعفر».9
وجاء عن جابر أيضًا من طريق مالك؛ رواه الدارقطني في «غرائب مالك» من طريق جميل بن يزيد، وقيل: جميل بن زيد، عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، وفيه: «فَبِأَيِّ قَوْلِ أَصْحَابِي أَخَذْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ، إِنَّمَا مَثَلُ أَصْحَابِي مَثَلُ النُّجُومِ، مَنْ أَخَذَ بِنَجْمٍ مِنْهَا اهْتَدَى».10 وقال الدارقطني: «لا يثبت عن مالك»، ورواته دون مالك مجهولون، وقال ابن الملقن في جميل: «لا أعرفه».11 فلا يصح هذا الوجه عن مالك، ولا يقوي الطريق الآخر عن جابر.
ورواه البيهقي،12 من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جُوَيْبِر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، مرفوعًا ضمن حديث: «إِنَّ أَصْحَابِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، فَأَيَّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، وَاخْتِلَافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ». وهذه طريق شديدة الضعف؛ سليمان بن أبي كريمة ضعيف، وجوير متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس، فهي منقطعة فوق شدة ضعف رجالها.13 ولهذا قال البيهقي بعد جمع هذه الأخبار: «هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إسناد».14
وروي مرسلًا عن الضحاك بن مزاحم بلفظ: «مَثَلُ أَصْحَابِي مَثَلُ الْمِلْحِ... وَمَثَلُ أَصْحَابِي مَثَلُ النُّجُومِ... فَبِأَيِّ قَوْلِ أَصْحَابِي أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ»، من طريق مندل بن علي، عن جويبر، عن الضحاك.15 وهذا أشد ضعفًا؛ فمَنْدَل واه، وجويبر متروك، والضحاك تابعي، فالخبر مع ذلك مرسل.16
وروى البيهقي،17 من طريق نعيم بن حماد، عن عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر رضي الله عنه، مرفوعًا: «سَأَلْتُ رَبِّي عز وجل فِيمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي... فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى». وهذا طريق تالف؛ عبد الرحيم بن زيد العمي قال فيه ابن معين: «كذاب ليس بشيء»، وقال البخاري: «منكر الحديث»، وهو مع ذلك منقطع بين سعيد بن المسيب وعمر.18
وروي من حديث أنس رضي الله عنه أيضًا، وفي طريقه بشر بن الحسين، وهو متهم، ولذلك عد ابن حجر هذا الطريق مع الطرق الواهية، وعد ابن الملقن جميع طرق الحديث ضعيفة.19
فهذه الطرق ليست من جنس الضعف اليسير الذي يجبر بعضه بعضًا؛ فأكثرها يدور على متروكين أو متهمين بالوضع، كحمزة بن أبي حمزة، وعبد الرحيم بن زيد العمي، وجعفر بن عبد الواحد، وجويبر، وبعضها منقطع أو مجهول مع غرابته. ولذلك لم يعتبر البزار كثرة هذه المخارج، بل قال: «هذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ»، وقال البيهقي بعد معرفته بتعدد الأسانيد: «لم يثبت في هذا إسناد»، وقال ابن الملقن بعد استقصائها: «فتلخص ضعف جميع هذه الطرق». فالكثرة هنا لا تفيد تقوية؛ لأنها كثرة طرق شديدة الضعف، وبعضها متهم بالوضع.
وأما حديث أبي موسى رضي الله عنه في صحيح مسلم: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ... وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي...». رواه مسلم.20 لكنه لا يشهد للفظ «بأيهم اقتديتم اهتديتم»؛ لأن تشبيه الصحابة بالنجوم من جهة كونهم أمنة للأمة معنى غير الحكم بأن كل قول يصدر عن أي صحابي في موطن اختلاف يكون هدى. وقد نبه البيهقي إلى أن الحديث الصحيح يؤدي بعض معنى التشبيه، ولم يجعله مصححًا لهذا اللفظ.21 ونبه ابن الملقن إلى الفرق نفسه.22
فالحديث مشهور على الألسنة، لكن الشهرة لا تصححه. وجميع طرقه التي وقفت عليها معلولة عللًا شديدة، وليس بينها إسناد صالح للاعتبار ينجبر به غيره؛ بل في جملة منها كذابون ومتروكون، وقد اتفق نقد البزار والبيهقي وابن عبد البر وابن الملقن ومن بعدهم على عدم ثبوت شيء من طرقه، وزاد ابن حزم فحكم عليه بالوضع. فالراجح أن قوله: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» باطل لا يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ، ولا تصلح طرقه للتقوية.
(أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ) أي يشبه الصحابة بالنجوم التي يهتدي بها الناس، وهذا التشبيه بهذا السياق لا يثبت عن النبي ﷺ، وإن ثبتت فضائل الصحابة ومكانتهم بأدلة صحيحة كثيرة، وثبت في صحيح مسلم وصفهم بأنهم أمنة للأمة. (بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ) ظاهره أن الاقتداء بأي صحابي في كل ما يقوله موجب للهداية، ولو اختلف الصحابة في المسألة، وهذا العموم لا يثبت؛ فإن الصحابة أنفسهم كانوا يرد بعضهم على بعض، ويرجع أحدهم إلى قول صاحبه إذا ظهر له الدليل، وإنما الواجب اتباع الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، مع حفظ فضل الصحابة ومعرفة قدرهم.