احتج به البخاري،1 ومسلم،2 وأصلحه أبو داود،3 وقال الترمذي في طريق ابن عون: «هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عون، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن علي».4 وأورده ابن حبان في «صحيحه».5
لكن أعل البخاري طريق ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي، فقال: «يقولون هو في كتاب أزهر، عن ابن عون، عن عبيدة، عن النبي ﷺ مرسل».6 وقال الدارقطني في الطريق نفسه: رواه أزهر السمان عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي موصولًا، وخالفه معاذ بن معاذ وخالد بن الحارث وأشهل بن حاتم فرووه مرسلًا، ثم قال: «وهو المحفوظ عن ابن عون».7 وهذا التعليل خاص بطريق ابن عون، ولا يقدح في أصل الحديث؛ فإنه ثابت من طرق صحيحة أخرى عن علي رضي الله عنه.
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (5/ 19 رقم 3705 ط السلطانية)
2صحيح مسلم (4/ 2091 رقم 2727 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3سنن أبي داود (4/ 315 رقم 5062 ت محيي الدين عبد الحميد)
4سنن الترمذي (5/ 412 رقم 3408 ت بشار)
5صحيح ابن حبان (12/ 333 رقم 5524 ت شعيب الأرناؤوط)
6العلل الكبير للترمذي (ص362 ت صبحي السامرائي وأبو المعاطي النوري ومحمود خليل الصعيدي)
7علل الدارقطني (4/ 29-30 رقم 417 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
تخريج الحديث
رواه البخاري،1 ومسلم،2 وأبو داود،3 وأحمد،4 وابن حبان،5 من طرق عن شعبة بن الحجاج، عن الحَكَم بن عُتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه، مرفوعًا.
ورواه البخاري أيضًا من طريق سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن مجاهد بن جبر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي رضي الله عنه، وفيه: «تُسَبِّحِينَ اللهَ عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ اللهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ»، ثم قال سفيان: «إحداهن أربع وثلاثون»، وقال علي: «فما تركتها بعد»، فقيل: ولا ليلة صفين؟. قال: «ولا ليلة صفين».6 فهذا طريق صحيح آخر مستقل يثبت أصل القصة والعدد مائة.
ورواه الترمذي،7 من طريق أزهر بن سعد السمان، عن عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة بن عمرو السَّلماني، عن علي رضي الله عنه، وفيه: «ثلاثًا وثلاثين، وثلاثًا وثلاثين، وأربعًا وثلاثين من تحميد وتسبيح وتكبير». لكن هذا الوجه الموصول عن ابن عون معلول؛ فقد سأل الترمذي البخاري عنه، فأشار إلى أن المحفوظ في كتاب أزهر الإرسال،8 وبيّن الدارقطني أن معاذ بن معاذ وخالد بن الحارث وأشهل بن حاتم خالفوا أزهر، فرووه عن ابن عون مرسلًا، وقال: «وهو المحفوظ عن ابن عون».9 فلا يعتمد على طريق ابن عون في إثبات أصل الحديث، وإن كان الحديث ثابتًا من غيره.
وأما اللفظ الذي أورده البخاري في كتاب الدعوات من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، ففيه: «فَكَبِّرَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ»، ثم قال البخاري: «وعن شعبة، عن خالد، عن ابن سيرين، قال: التسبيح أربع وثلاثون».10
وقول ابن سيرين: «التسبيح أربع وثلاثون» ليس حديثًا مرفوعًا من طريقه عن علي، بل هو موقوف على محمد بن سيرين؛ قال ابن حجر: «هذا موقوف على ابن سيرين»، وذكر أن بعضهم ظنه من روايته عن عبيدة عن علي، ثم بيّن أن القاضي يوسف رواه عن سليمان بن حرب بهذا الإسناد إلى ابن سيرين من قوله، وقال: «واتفاق الرواة على أن الأربع للتكبير أرجح».11
ولهذا فلفظ البخاري في الموضع المذكور الذي جعل الثلاثة كلها ثلاثًا وثلاثين لا يحمل على أنه هو المحفوظ في العدد؛ فقد جاءت الطرق الصحيحة الكثيرة عن علي بأن مجموع الذكر مائة: التكبير أربع وثلاثون، والتسبيح والتحميد كل منهما ثلاث وثلاثون، وهو لفظ مسلم وأبي داود وأحمد وابن حبان، وجاء كذلك في مواضع أخرى من صحيح البخاري نفسه. أما ما روي من جعل التسبيح أو التحميد أربعًا وثلاثين فمرجوح، وما جاء في بعض الطرق من ثلاثة وثلاثين في الجميع مخالف للروايات الأثبت والأكثر.
فالحديث ثابت صحيح من طرق متعددة عن علي رضي الله عنه، وأقوى طرقه طريق الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، وقد احتج به الشيخان. وأما طريق ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي فالمحفوظ فيه الإرسال كما قال البخاري والدارقطني، فلا يُجعل من طرق التصحيح، ولا حاجة إليه أصلًا. وأما العدد المحفوظ في الذكر عند النوم فهو مائة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة. وقول ابن سيرين: «التسبيح أربع وثلاثون» رأي موقوف عليه، وليس زيادة مرفوعة إلى النبي ﷺ.
المصادر والمراجع
1صحيح البخاري (5/ 19 رقم 3705 ط السلطانية)
2صحيح مسلم (4/ 2091 رقم 2727 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
3سنن أبي داود (4/ 315 رقم 5062 ت محيي الدين عبد الحميد)
4مسند أحمد (2/ 354 رقم 1141 ط الرسالة)
5صحيح ابن حبان (12/ 333 رقم 5524 ت شعيب الأرناؤوط)
6صحيح البخاري (7/ 65 رقم 5362 ط السلطانية)
7سنن الترمذي (5/ 412 رقم 3408 ت بشار)
8العلل الكبير للترمذي (ص362 ت صبحي السامرائي وأبو المعاطي النوري ومحمود خليل الصعيدي)
9علل الدارقطني (4/ 29-30 رقم 417 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
10صحيح البخاري (8/ 70 رقم 6318 ط السلطانية)
11فتح الباري (11/ 126 ط السلفية)
شرح الحديث
(أَنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها شَكَتْ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى) أي أخبرت بما أصاب يديها من أثر طحن الحب بالرحى وشدة العمل، وقد جاء في بعض الروايات أن يدها مجلت، أي غلظ جلدها وتأثر من كثرة العمل. (فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا) أي لما بلغها أنه أُتي بسبي أرادت أن يعطيها من يقوم ببعض ما يشق عليها من خدمة البيت. (فَلَمْ تَجِدْهُ) أي لم تجده في منزله حين أتته. (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ) أي أخبرتها بسبب مجيئها وحاجتها. (فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ) أي أخبرت عائشة النبي ﷺ بمجيء فاطمة وحاجتها. (فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا) أي أتى عليًا وفاطمة وقد اضطجعا للنوم. (فَذَهَبْتُ أَقُومُ، فَقَالَ: مَكَانَكِ) أي أراد علي القيام إكرامًا له ﷺ فأمره أن يبقى في موضعه. (فَجَلَسَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي) فيه شدة قربه ﷺ منهما وملاطفته لهما وتعليمهما وهما في مضجعهما. (أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ) أي أعلمكما ذكرًا يكون نفعه وثوابه وخيره أعظم لكما من قضاء الحاجة الدنيوية بخادم. (إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا) أي إذا أويتما إلى فراشكما للنوم. (فَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ) أي قولا: «الله أكبر» أربعًا وثلاثين مرة. (وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) أي قولا: «سبحان الله» ثلاثًا وثلاثين مرة. (وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) أي قولا: «الحمد لله» ثلاثًا وثلاثين مرة، فيكون مجموعها مائة. (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ) أي هذا الذكر خير لهما في الأجر والبركة والاستعانة بالله من حصول خادم، وليس معناه أن اتخاذ الخادم ممنوع. وأما (التَّسْبِيحُ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ) فهي كلمة لمحمد بن سيرين وليست من كلام النبي ﷺ، والمحفوظ في المرفوع أن التكبير هو الذي يكون أربعًا وثلاثين.
فوائد الحديث
الذكر ليس زادًا للآخرة وحدها، بل عونٌ على مشاق الدنيا؛ فالأسباب تُعين الجوارح، وذكر الله يُقوّي القلوب. ومن طلب القوة من الأسباب ونسي مُسبِّبها، فقد تعلّق بالأضعف وترك الأقوى.