أورده ابن حبان في «صحيحه» من طريق أبي مُدِلَّة بالسياق الطويل،1 وقال الدارقطني بعد ذكر الاختلاف على أبي مجاهد سعد الطائي: «والحديث محفوظ».2 وحسن الترمذي حديث أبي مُدِلَّة في آخر هذا السياق، وقال: «هذا حديث حسن»، ونبه إلى أن الحديث يروى عنه «أطول من هذا وأتم».3 وأورده المنذري بصيغة الجزم،4 وصحح ابن الملقن حديث «ثلاثة لا ترد دعوتهم» من هذا الطريق،5 وقال أحمد شاكر في الطريق المطول: «إسناده صحيح».6 وقال محققو المسند: «حديث صحيح بطرقه وشواهده».7
لكن قال الترمذي في طريق محمد بن فضيل، عن حمزة الزيات، عن زياد الطائي، عن أبي هريرة: «هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل».8 وقال محققو المسند في إسناد أبي مُدِلَّة نفسه: «وهذا إسناد ضعيف لجهالة أبي المدلة»، وإن صححوا الحديث بطرقه وشواهده.9 واستثنى الألباني من تصحيحه لرواية الترمذي قوله: «مِمَّ خُلِقَ الخلق؟»، إلا أن هذه الجملة جاءت من الطريق المحفوظ عن أبي مُدِلَّة عند إسحاق بن راهويه، وثبت أصلها من طريق مستقل صحيح عن أبي هريرة كما سيأتي.
المصادر والمراجع
1صحيح ابن حبان (16/ 396 رقم 7387 ت شعيب الأرناؤوط)
2علل الدارقطني (11/ 235 رقم 2258 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
3سنن الترمذي (5/ 548 رقم 3598 ت بشار)
4الترغيب والترهيب (4/ 371 ت إبراهيم شمس الدين)
5البدر المنير (5/ 152)
6مسند أحمد (15/ 189 رقم 8030 ت أحمد شاكر)
7مسند أحمد (13/ 410 رقم 8043 ط الرسالة)
8سنن الترمذي (4/ 293 رقم 2526 ت بشار)
9مسند أحمد (13/ 410 رقم 8043 ط الرسالة)
تخريج الحديث
رواه الترمذي،1 من طريق أبي كريب، عن محمد بن فضيل، عن حمزة الزيات، عن زياد الطائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه بالسياق المذكور كاملًا، ثم قال الترمذي: «هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل، وقد روي هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي مُدِلَّة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ».2 وزياد الطائي مجهول، وهذه الطريق ليست هي المحفوظة عن حمزة الزيات.
وخالف محمدَ بن فضيل في روايته عن حمزة أبو معاوية محمد بن خازم؛ فرواه إسحاق بن راهويه،3 عن أبي معاوية، عن حمزة الزيات، عن أبي مجاهد سعد الطائي، عن أبي مُدِلَّة، عن أبي هريرة، وفيه أصل السياق نفسه: تغير حالهم بعد مفارقة النبي ﷺ، ومصافحة الملائكة لهم لو داموا على تلك الحال، وقوله: «ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم»، ثم قال أبو هريرة: «يا رسول الله، أخبرني مِمَّ خُلِقَ الخلق؟ فقال: مِنَ الماء»، ثم سأله عن بناء الجنة، فأحال إسحاق بقيته على الحديث السابق الذي ساق فيه وصف الجنة و«ثلاث لا ترد دعوتهم».4 فهذه الطريق مهمة؛ لأنها تثبت أن جملة «مِنَ الماء» ليست من تفرد زياد الطائي، بل رواها حمزة نفسه من الوجه المحفوظ عن أبي مجاهد، عن أبي مُدِلَّة.
ورواه الطيالسي،5 وأحمد،6 وابن حبان،7 من طريق زهير بن معاوية، عن سعد الطائي أبي مجاهد، عن أبي مُدِلَّة مولى أم المؤمنين، عن أبي هريرة، بالسياق الطويل في رقة القلوب، ومصافحة الملائكة، والمغفرة، ووصف بناء الجنة ودوام نعيم أهلها، ثم حديث «ثلاث لا ترد دعوتهم»، وليس في رواية زهير سؤال «مِمَّ خُلِقَ الخلق؟».
وروى إسحاق بن راهويه أيضًا،8 من طريق عيسى بن يونس، عن سعدان الجهني، عن سعد أبي مجاهد الطائي، عن أبي مُدِلَّة، عن أبي هريرة، وصف بناء الجنة وقوله: «ثلاث لا يرد لهم دعوة...»، ثم رواه من طريق وكيع، عن سعدان، عن أبي مجاهد، عن أبي مُدِلَّة مختصرًا في الإمام العادل والصائم.9
وروى ابن خزيمة،10 من طريق عمرو بن قيس المُلائي، عن أبي مجاهد، عن أبي مُدِلَّة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَإِمَامٌ عَدْلٌ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ...».11 ورواه الترمذي،12 من طريق عبد الله بن نمير، عن سعدان القُبِّي، عن أبي مجاهد، عن أبي مُدِلَّة، عن أبي هريرة، وحسنه.13 فظهر أن أبا مجاهد لم ينفرد عنه زهير بن معاوية، بل حمل هذا الحديث عنه جماعة بألفاظه المختلفة.
وقد سئل الدارقطني عن الحديث، فبيّن اختلاف الرواة على أبي مجاهد سعد الطائي، فقال: «يرويه أبو مجاهد سعد بن يزيد الطائي، واختلف عنه؛ فرواه زهير بن معاوية وعمرو بن قيس الملائي وسعدان بن بشر الجهني عن سعد أبي مجاهد، عن أبي مُدِلَّة، عن أبي هريرة، ورواه حمزة الزيات عن سعد الطائي أبي مجاهد وقال: عن رجل، عن أبي هريرة، وأحسبه لم يحفظ كنيته، فقال: عن رجل، وأراد أبا مُدِلَّة، والله أعلم، والحديث محفوظ».14 فهذا نص مهم؛ إذ رجح الدارقطني أن أصل الطريق محفوظ عن أبي مجاهد، عن أبي مُدِلَّة، وأن إبهام حمزة لشيخه لا يعل أصل الخبر.
وعلى هذا يظهر أن رواية محمد بن فضيل عن حمزة الزيات: «عن زياد الطائي، عن أبي هريرة» مرجوحة بالنسبة إلى الرواية المحفوظة؛ إذ رواه أبو معاوية عن حمزة، عن أبي مجاهد سعد الطائي، عن أبي مُدِلَّة، عن أبي هريرة، وهو الموافق لما رواه زهير وعمرو بن قيس وسعدان بن بشر عن أبي مجاهد. فلا يصح جعل حكم الترمذي بالضعف والانقطاع على طريق زياد حكمًا على جميع طرق الحديث؛ فالترمذي نفسه نبه بعده مباشرة إلى طريق أبي مُدِلَّة.
وأبو مُدِلَّة يُضبط بضم الميم وكسر الدال وتشديد اللام، مولى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقيل اسمه عبيد الله بن عبد الله. وقد قال علي بن المديني: إنه مجهول لم يرو عنه غير أبي مجاهد، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: «مدني ثقة»، ووقع في رواية ابن ماجه وصفه بالثقة، وقال الذهبي: «لا يكاد يعرف»، وقال ابن حجر: «مقبول».1516 فالرجل قليل الرواية، ولا يرتفع إسناده بمجرده إلى أعلى مراتب الصحة، لكن جهالته ليست علة تقتضي نكارة الخبر بعد تصريح الدارقطني بأن الحديث محفوظ، وقبول الترمذي لبعض حديثه، وإيراد ابن خزيمة وابن حبان له في صحيحيهما.
وأما قوله ﷺ في تغير حال القلوب عند مفارقة مجلس النبي ﷺ، وأن دوامهم على تلك الحال موجب لمصافحة الملائكة، فله شاهد صحيح صريح من حديث حنظلة الأُسيدي رضي الله عنه، وفيه: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً».17
وقوله: «وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ كَيْ يُذْنِبُوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ» ثابت من حديث أبي هريرة نفسه بلفظ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ».18
وقوله: «مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ؟ قَالَ: مِنَ الْمَاءِ» لم ينفرد به الطريق المختلف فيه؛ فقد رواه أحمد،19 وابن حبان،20 من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ»، وهو إسناد صحيح، وقد صححه ابن حجر.21 وجاء أيضًا من طريق أبي مُدِلَّة عند إسحاق كما تقدم؛ فاستثناء هذه الجملة من أصل الحديث لا يظهر بعد جمع طرقها.
وقوله في بناء الجنة: «لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ» ثابت من طريق مستقل؛ رواه أحمد من طريق عمران القطان، عن قتادة، عن العلاء بن زياد العدوي، عن أبي هريرة مرفوعًا.22
وقوله: «مَنْ دَخَلَهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ... لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ» ثابت مستقلًا عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ».23
وأما آخر الحديث: «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ...» فقد سبق تخريجه في «ديوان الحديث» مستقلًا برقم 912، وحكمه فيه: حسن؛ وهو من حديث أبي مُدِلَّة نفسه، وقد قال الدارقطني فيه: «الحديث محفوظ».24 وحسنه الترمذي.25
واختلف لفظ الصائم؛ ففي رواية زهير عند ابن حبان: «وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ»،26 وفي روايات أخرى عن أبي مجاهد: «وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ»،27 فلا ينبغي إلغاء أحد اللفظين؛ فكلاهما مروي في الطرق، وإن كان «حتى يفطر» أشهر في الطريق المختصر.
فالحديث له طريقان في الظاهر عن حمزة الزيات: طريق محمد بن فضيل، عنه، عن زياد الطائي، عن أبي هريرة، وهو الذي ضعفه الترمذي وحكم بعدم اتصاله؛ وطريق أبي معاوية، عنه، عن أبي مجاهد سعد الطائي، عن أبي مُدِلَّة، عن أبي هريرة، وهو الموافق للطريق المحفوظ الذي رواه زهير بن معاوية وعمرو بن قيس المُلائي وسعدان الجهني عن أبي مجاهد. وقد نص الدارقطني بعد جمع الاختلاف على أن «الحديث محفوظ». وأبو مُدِلَّة وإن كان قليل الرواية وفيه جهالة عند بعض النقاد، فإن حديثه هنا تلقاه جماعة بالقبول، وأورده ابن حبان في صحيحه، وحسن الترمذي بعضه، مع شواهد صحيحة مستقلة لأكثر فقراته، بل إن جملة «من الماء» التي لم ترد في رواية زهير ثبتت من طريق أبي معاوية عن حمزة عن أبي مجاهد عند إسحاق، وثبت معناها بإسناد صحيح مستقل عن أبي هريرة؛ فالراجح أن الحديث مرفوع حسن، وأصول ألفاظه ثابتة بأحاديث صحيحة، ولا يصح رد السياق كله بحكم الترمذي على طريق زياد الطائي خاصة.
المصادر والمراجع
1سنن الترمذي (4/ 293 رقم 2526 ت بشار)
2سنن الترمذي (4/ 293 رقم 2526 ت بشار)
3مسند إسحاق بن راهويه (1/ 318 رقم 301 ت عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي)
4مسند إسحاق بن راهويه (1/ 318 رقم 300-301 ت عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي)
5مسند أبي داود الطيالسي (4/ 308 رقم 2706)
6مسند أحمد (13/ 410 رقم 8043 ط الرسالة)
7صحيح ابن حبان (16/ 396 رقم 7387 ت شعيب الأرناؤوط)
8مسند إسحاق بن راهويه (1/ 318 رقم 300 ت عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي)
9مسند إسحاق بن راهويه (1/ 318 رقم 302-303 ت عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي)
10صحيح ابن خزيمة ط 3 (2/ 917 رقم 1901)
11صحيح ابن خزيمة ط 3 (2/ 917 رقم 1901)
12سنن الترمذي (5/ 548 رقم 3598 ت بشار)
13سنن الترمذي (5/ 548 رقم 3598 ت بشار)
14علل الدارقطني (11/ 235 رقم 2258 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
15الثقات لابن حبان (5/ 72)
16تقريب التهذيب (ص671)
17صحيح مسلم (4/ 2106 رقم 2750 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
18صحيح مسلم (4/ 2106 رقم 2749 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
19مسند أحمد (13/ 314 رقم 7932 ط الرسالة)
20صحيح ابن حبان (6/ 299 رقم 2559 ت شعيب الأرناؤوط)
21فتح الباري (5/ 36 ط السلفية)
22مسند أحمد (14/ 359 رقم 8747 ط الرسالة)
23صحيح مسلم (4/ 2181 رقم 2836 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
24علل الدارقطني (11/ 235 رقم 2258 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
25سنن الترمذي (5/ 548 رقم 3598 ت بشار)
26صحيح ابن حبان (16/ 396 رقم 7387 ت شعيب الأرناؤوط)
27سنن الترمذي (5/ 548 رقم 3598 ت بشار)
شرح الحديث
(مَا لَنَا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا) أي لانت وخشعت وتأثرت بالموعظة لقوة حضور الإيمان والآخرة عند مجالسة النبي ﷺ. (وَزَهِدْنَا فِي الدُّنْيَا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ) أي قل تعلقهم بالدنيا وعظمت رغبتهم في الآخرة حين سماع الوحي والموعظة، وليس المراد أنهم صاروا من أهل الآخرة حقيقة، وإنما غلب على قلوبهم ذكرها والاستعداد لها. (فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدَكَ فَآنَسْنَا أَهَالِينَا وَشَمَمْنَا أَوْلَادَنَا أَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا) أي لما رجعوا إلى مخالطة الأهل والأولاد ومباشرة شؤون الدنيا وجدوا من أنفسهم فتورًا عن الحال العالية التي كانوا عليها، فاستعظموا تغير القلب. (لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ عَلَى حَالِكُمْ ذَلِكَ لَزَارَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي بُيُوتِكُمْ) أي لو دام لكم من كمال حضور القلب والخشوع ما يحصل عند الموعظة لبلغتم منزلة ظاهرة من الصفاء حتى تزوركم الملائكة وتصافحكم كما جاء في الروايات الأخرى، لكن طبيعة الإنسان تتغير أحوالها بحسب ما يلابسه من مباحات الدنيا. (وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ كَيْ يُذْنِبُوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ) ليس فيه حث على المعصية، وإنما بيان أن الله خلق بني آدم وفيهم الضعف، وأن من أسمائه الغفور والتواب، وأن المطلوب من المذنب أن يستغفر ويتوب، لا أن يعجب بعمله أو يقنط بسبب ذنبه. (مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ؟ قَالَ: مِنَ الْمَاءِ) أي أن الماء أصل عظيم في خلق الأحياء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، ولا يدل اللفظ على أن كل مخلوق بلا استثناء مادته الماء؛ فإن النصوص دلت على خلق الملائكة من نور والجان من نار وآدم من تراب، وإنما يحمل اللفظ على ما يناسب سياقه ويجمع بين الأدلة. (الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: لَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) أي أن بناءها على غاية من الحسن والنفاسة، واللبنة هي القطعة التي يبنى بها. (وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ) المِلاط ما يجعل بين اللبن من مادة البناء، والأذفر شديد طيب الرائحة. (وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ) أي الحصى الصغار في أرضها من هذه الجواهر النفيسة. (وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ) أي ترابها في طيبه وحسنه كالزعفران. (مَنْ دَخَلَهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ) أي يكون في نعيم دائم لا يصيبه بؤس ولا شقاء، وجاء في بعض نسخ اللفظ «لا ييأس»، والمحفوظ في الطرق الصحيحة «لا يبأس» أو «لا يبؤس». (وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ) أي حياته فيها أبدية لا يلحقها موت. (لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ) أي لا يلحق لباسهم فناء ولا قدم. (وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ) أي يبقون على شبابهم وكمال قوتهم ولا يدركهم هرم. (ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ) أي أن دعاء هؤلاء حري بالإجابة لعظيم منزلتهم أو شدة افتقارهم. (الْإِمَامُ الْعَادِلُ) أي ولي الأمر الذي قام بحقوق الرعية وعدل فيهم. (وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ) وجاء «حتى يفطر»، أي للصائم مزية في إجابة الدعاء مدة صيامه، وفي رواية «حين يفطر» تخصيص لحال الإفطار. (وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ) أي دعاؤه على من ظلمه أو طلبه رفع الظلم عنه. (يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ) تصوير لعظيم قبولها وسرعة صعودها وعدم وجود حجاب يحول بينها وبين الإجابة. (وَيَقُولُ الرَّبُّ عز وجل: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ) أي أقسم الله بعزته أن ينصر المظلوم، وإن تأخر ظهور النصر لحكمة، فالتأخير ليس إهمالًا ولا ضياعًا للحق.
فوائد الحديث
ليس من شرط صدق الإيمان أن يبقى القلب على حال واحدة، ولكن من علامات حياته أن يشعر بفتوره ويخشى قسوته؛ فقد كان الصحابة يخافون تغيّر قلوبهم بعد مجالسة النبي ﷺ، وأصبح كثير من الناس يخاف نقص دنياه ولا يخاف ذهاب دينه. وما شرع الله التوبة إلا لعلمه بضعف عباده، فلا تجعل ذنبك سببًا للقنوط، ولا تجعل سعة رحمته ذريعة للتمادي. ومن عرف رحمة الله لم ييأس من مغفرته، ومن عرف عدله لم يأمن عقوبته؛ فقد يُمهل الله الظالم حتى يظن أنه نجا، ويؤخر نصرة المظلوم حتى يظن أنه نُسي، ولكن وعد الله لا يسقط بالتأخير، ولا تضيع عنده دمعة مظلوم، وإن طال الانتظار.