قال الذهبي في أبي مُعَلَّق: «له حديث عجيب، لكن في سنده الكلبي، وليس بثقة، وهو في كتاب مجابي الدعوة».1 وقال الألباني: «موضوع، لوائح الوضع والصنع عليه ظاهرة»، وقال عن إسناده: «هذا إسناد مظلم»، ثم ذكر أن الآفة إما من الكلبي وإما ممن دونه، وأن الحسن البصري مدلس وقد عنعن.2
المصادر والمراجع
1تجريد أسماء الصحابة (2/ 204 ط دار المعرفة)
2السلسلة الضعيفة (رقم 5737 ط مكتبة المعارف)
تخريج الحديث
رواه ابن أبي الدنيا،1 واللالكائي،2 وابن بشكوال،3 وعبد الغني المقدسي،4 من طريق عيسى بن عبد الله التميمي، عن فُهَيْر بن زياد الأسدي، عن موسى بن وَرْدان، عن الكلبي -وليس بصاحب التفسير-، عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه بالقصة.
وقد اختلف في بعض أسماء رجال هذا الطريق؛ فجاء عند ابن حجر: «عيسى بن عبد الله النَّهْمي، عن فِهْر بن زياد الأسدي»، بينما رواية اللالكائي وعبد الغني وغيرهما: «عيسى بن عبد الله التميمي، عن فُهَيْر بن زياد الأسدي».5 والأقرب أن فُهَيْرًا هو لقب يحيى بن زياد بن أبي داود الأسدي الرَّقِّي، وقد روى عن موسى بن وردان، وذكره ابن حبان في الثقات، ووصفه الذهبي بأنه ثقة عابد، وابن حجر بأنه صدوق عابد.6 فلا يظهر أن فُهَيْرًا هو علة الخبر الأصلية.
وأما عيسى بن عبد الله التميمي فلم أقف بعد البحث على توثيق معتبر له، وأما الكلبي فقد جاء في الرواية التصريح بأنه «ليس بصاحب التفسير»، فإن كان غير محمد بن السائب الكلبي المشهور فهو مجهول لا تعرف حاله، وإن كان هو صاحب التفسير فقد اشتد كلام النقاد فيه؛ ولهذا قال الذهبي في هذه القصة نفسها: «في سنده الكلبي وليس بثقة».7 فالطريق ساقط على الحالين: إما مجهول، وإما راو متروك عند النقاد.
وأما موسى بن وَرْدان العامري المصري فليس بمتروك، ولكنه مختلف فيه؛ قال أحمد: «لا أعلم إلا خيرًا»، وقال أبو حاتم: «ليس به بأس»، وقال أبو داود في رواية: «ثقة»، وقال الدارقطني: «لا بأس به»، لكن قال ابن معين في رواية: «ضعيف»، وفي أخرى: «ليس بالقوي»، وفي ثالثة: «صالح»، وقال ابن حبان: «فحش خطؤه» وروى المناكير عن المشاهير.8 فمثله يصلح في الجملة للاعتبار، وليس هو وحده سبب سقوط هذه القصة.
وفي الطريق أيضًا الحسن البصري عن أنس بالعنعنة، والحسن معروف بالتدليس؛ فلو سلم الإسناد ممن قبله لبقي النظر في اتصال روايته هنا.
وقد وقع في القصة اختلاف أقوى من مجرد حال الرجال؛ فأبو موسى المديني أخرجها من طريق ابن الكلبي، عن الحسن، عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه، لا عن أنس. ونقل ابن حجر هذا الوجه في ترجمة أبي مُعَلَّق، ثم ذكر رواية ابن أبي الدنيا عن الحسن عن أنس.9
وجاء عند ابن الأثير وجه ثالث: من طريق موسى بن وردان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن أنس، بالقصة.10 فمرة يجعل الكلبي شيخه الحسن ويرويه عن أنس، ومرة عن الحسن عن أُبيّ، ومرة عن أبي صالح عن أنس؛ وهذا اضطراب شديد في خبر لا يحتمل رواته مثله، ولا تصلح هذه الوجوه أن يقوي بعضها بعضًا؛ لأنها ترجع إلى موضع العلة نفسه.
ورويت القصة من طريق آخر لا يمر بالكلبي؛ رواها القشيري،11 من طريق محمد بن عبد ربه الحضرمي، عن بِشر بن عبد الملك، عن موسى بن الحجاج، قال: قال مالك بن دينار: حدثنا الحسن، عن أنس. وفيها قصة قريبة: تاجر بين الشام والمدينة اعترضه لص، فصلى أربع ركعات ودعا بنحو الدعاء، فجاء ملك فقتل اللص، لكنها تختلف عن رواية ابن أبي الدنيا في ألفاظ كثيرة؛ ففيها أن الملك من السماء الثالثة لا الرابعة، وزيادات أخرى، وفي آخرها أن الرجل أخبر النبي ﷺ فقال له: «لقد لقنك الله أسماءه الحسنى التي إذا دعي بها أجاب، وإذا سئل بها أعطى».
وهذه الطريق لا تصلح متابعة؛ فإن محمد بن عبد ربه الحضرمي لم أقف له على توثيق، ووقع في اسم شيخه «بشر بن عبد الملك»، ويحتمل أن يكون «بِشران بن عبد الملك» الذي ذكر ابن ماكولا أنه يروي عن موسى بن الحجاج عن مالك بن دينار، لكن هذا لا يرفع جهالة الطريق، فضلًا عن اختلاف سياق القصة اختلافًا بينًا.12 ولذلك لا يصح جعل طريق القشيري عاضدًا يرفع رواية ابن أبي الدنيا، بل اختلاف الروايتين في تفاصيل الخبر الغيبي يزيد التوقف فيه.
وأما مجرد إيراد اللالكائي للقصة في باب «كرامات أبي مُعَلَّق»، أو ذكر ابن القيم لها في أول «الداء والدواء»، فليس تصحيحًا لها؛ فلم ينص واحد منهما في الموضع على صحة الإسناد، ولا يصح تحويل مجرد الإيراد إلى حكم بالقبول.
وأبو مُعَلَّق نفسه لا يعرف له فيما وقفت عليه خبر يعتمد عليه غير هذه القصة، وإنما أدخله بعض المصنفين في الصحابة بسببها؛ ولهذا وصف الذهبي خبره بأنه «عجيب»، وتوقف النقاد في أصل الطريق الذي تثبت به قصته.13
فالخبر في أشهر طرقه يدور على عيسى بن عبد الله، عن فُهَيْر، عن موسى بن وردان، عن الكلبي، عن الحسن، عن أنس، وفيه جهالة عيسى والكلبي على أقل الأحوال، وعنعنة الحسن، مع اضطراب شديد على الكلبي بين الحسن عن أنس، والحسن عن أُبيّ، وأبي صالح عن أنس. والطريق الآخر عن مالك بن دينار لا ينهض للمتابعة؛ ففي إسناده من لم تثبت عدالته، وسياقه مخالف في جملة من التفاصيل الغيبية. فلا يوجد للخبر طريق سالم يصلح أن يكون أصلًا يقوى به غيره.
فالقصة عن أنس شديدة الضعف منكرة، ولا تثبت صحبة أبي مُعَلَّق بها، ولا تثبت خصوصية صلاة أربع ركعات بهذا الدعاء، ولا الوعد بأن من فعل ذلك «استجيب له مكروبًا كان أو غير مكروب». وأما حكم الألباني عليها بالوضع فله وجه من جهة ظلمة الإسناد ونكارة السياق، لكن الوقوف عند «شديد الضعف، منكر» أحوط؛ إذ لم أقف على إمام متقدم جزم بوضعها، وإنما غاية ما قال الذهبي في خبرها إنه «عجيب» وإن في سنده من ليس بثقة.
المصادر والمراجع
1مجابو الدعوة (ص27-28 رقم 23 ت مجدي السيد إبراهيم)
2شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (5/ 166 رقم 111 ت أحمد بن سعد حمدان الغامدي)
3المستغيثين بالله تعالى عند المهمات والحاجات (ص11 رقم 3 ت مانويلا مارين)
4الترغيب في الدعاء والحث عليه (رقم 61 ت فواز أحمد زمرلي)
5الإصابة في تمييز الصحابة (12/ 615-617 رقم 10667 ت عبد الله بن عبد المحسن التركي)
6تهذيب الكمال (31/ 316-317 ت بشار)
7تجريد أسماء الصحابة (2/ 204 ط دار المعرفة)
8تهذيب الكمال (29/ 163-167 ت بشار)
9الإصابة في تمييز الصحابة (12/ 615-617 رقم 10667 ت عبد الله بن عبد المحسن التركي)
10أسد الغابة (6/ 289 ت علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود)
11الرسالة القشيرية (2/ 85-86 ت عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف)
12الإكمال لابن ماكولا (5/ 101)
13تجريد أسماء الصحابة (2/ 204 ط دار المعرفة)
شرح الحديث
(كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ يُكَنَّى أَبَا مُعَلَّقٍ) أي تزعم الرواية أن أبا مُعَلَّق رجل من الصحابة الأنصار، ولا تثبت صحبته بهذا الطريق الضعيف. (وَكَانَ تَاجِرًا يَتَّجِرُ بِمَالٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، يَضْرِبُ بِهِ فِي الْآفَاقِ) أي يسافر للتجارة بماله وبأموال غيره، والضرب في الأرض هو السفر فيها. (وَكَانَ نَاسِكًا وَرِعًا) أي كثير العبادة متحرزًا عن الحرام والشبهات. (فَلَقِيَهُ لِصٌّ مُقَنَّعٌ فِي السِّلَاحِ) أي مستتر الوجه متأهب بالسلاح للقتل والسلب. (فَذَرْنِي أُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي طلب منه إمهاله حتى يصلي، لكن تخصيص أربع ركعات عند هذه الشدة لا يثبت سنة بهذه القصة. (يَا وَدُودُ) أي يا من له الود الكامل لعباده المؤمنين، وهو اسم ثابت لله تعالى. (يَا ذَا الْعَرْشِ الْمَجِيدِ) أي يا صاحب العرش العظيم ذي المجد، وأصل وصف العرش بالمجد ثابت في القرآن. (يَا فَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ) أي لا يعجزه شيء، فما أراده سبحانه كان على وفق حكمته وقدرته. (أَسْأَلُكَ بِعِزِّكَ الَّذِي لَا يُرَامُ) أي بعزتك التي لا يبلغها غالب ولا يقدر أحد على منازعتها. (وَمُلْكِكَ الَّذِي لَا يُضَامُ) أي ملكك الذي لا ينقصه أحد ولا يقهر صاحبه. (وَبِنُورِكَ الَّذِي مَلَأَ أَرْكَانَ عَرْشِكَ) هذا اللفظ من نفس الخبر الضعيف، فلا يثبت به وصف تفصيلي مستقل في باب الصفات. (أَنْ تَكْفِيَنِي شَرَّ هَذَا اللِّصِّ، يَا مُغِيثُ أَغِثْنِي) أي يسأل الله دفع شر عدوه وكشف كربه، وأصل الاستغاثة بالله مشروع. (أَنَا مَلَكٌ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ) خبر عن الغيب لا يجوز الجزم بوقوعه اعتمادًا على هذه الرواية الواهية، وقد خالفته رواية القشيري فجعلت الملك من السماء الثالثة. (فَسَمِعْتُ لِأَبْوَابِ السَّمَاءِ قَعْقَعَةً... وَلِأَهْلِ السَّمَاءِ ضَجَّةً) هذا أيضًا من تفاصيل الغيب التي لم تثبت بسند يحتج به. (مَنْ تَوَضَّأَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَدَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ، اسْتُجِيبَ لَهُ) هذا من كلام أنس في الرواية، لا من كلام النبي ﷺ في الطريق المشهور، ومع ذلك فالإسناد إلى أنس لا يثبت، فلا تشرع صلاة مخصوصة من أربع ركعات بهذا الوعد اعتمادًا عليه.