احتج مسلم بأصله بلفظ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ»،1 وقال الألباني في طريق لفظ «الإسلام يجب ما قبله»: «صحيح».2 وصححه محققو المسند.3
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (1/ 112 رقم 121 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2إرواء الغليل (5/ 121-122 رقم 1280)
3مسند أحمد (29/ 312 رقم 17777 ط الرسالة)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 والطحاوي،2 من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي، عن حبيب بن أبي أوس، قال: حدثني عمرو بن العاص من فيه، فذكر قصة إسلامه، وفيها أن عمرو قال للنبي ﷺ: أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم، فقال ﷺ: «يَا عَمْرُو، بَايِعْ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا». وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، فلا مدخل لتدليسه في هذا الطريق.
ورواه أحمد من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شَمَاسَة المَهْري، عن عمرو بن العاص، في قصة إسلامه، وفيه بمعناه.3
واحتج مسلم بهذا الوجه من طريق حَيْوَة بن شُرَيح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري، عن عمرو بن العاص، وفيه أن النبي ﷺ قال له: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ».4 فلفظ «يجب» ثابت من طريق أحمد والطحاوي، ولفظ «يهدم» ثابت في صحيح مسلم، والمعنى واحد: أن الإسلام يقطع ويمحو ما سبقه من الكفر والذنوب.
أما لفظ: «الإسلام يجب ما قبله ما لم يغرغر، أو يعاين العذاب، أو تطلع الشمس من مغربها». فلم يرد بهذا السياق.
فقوله: «ما لم يغرغر» ليس من حديث عمرو، وإنما هو حديث مستقل عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ». رواه أحمد،5 والترمذي،6 وابن حبان،7 من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جُبير بن نُفير، عن ابن عمر، مرفوعًا. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».8 وقد تكلم في عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وفي عنعنة مكحول.
وأما «معاينة العذاب» فليست حديثا، وإنما أصلها صريح القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾، وقال في فرعون لما أدركه الغرق: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فالإيمان بعد حلول العذاب ومعاينته لا ينفع.
وأما قوله: «أو تطلع الشمس من مغربها» فهو أيضًا من حديث مستقل، رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللهُ عَلَيْهِ».9 وروي من طرق متعددة صحيحة عن محمد بن سيرين وغيره عن أبي هريرة.
فالعبارة المتداولة جمعت أحكامًا صحيحة في الجملة، لكنها ليست حديثًا واحدًا. والمحفوظ عن النبي ﷺ في حديث عمرو: «الإسلام يجب ما كان قبله» أو «الإسلام يهدم ما كان قبله». وأما انتهاء زمن قبول التوبة عند الغرغرة فدليله حديث ابن عمر، وانتهاء قبول التوبة العامة عند طلوع الشمس من مغربها فدليله حديث أبي هريرة، وعدم نفع الإيمان بعد معاينة العذاب ثابت بالقرآن.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (29/ 312 رقم 17777 ط الرسالة)
2شرح مشكل الآثار (1/ 442 رقم 507 ت شعيب الأرناؤوط)
3مسند أحمد (29/ 360 رقم 17827 ط الرسالة)
4صحيح مسلم (1/ 112 رقم 121 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
5مسند أحمد (10/ 300 رقم 6160 ط الرسالة)
6سنن الترمذي (5/ 507 رقم 3537 ت بشار)
7صحيح ابن حبان (2/ 394 رقم 628 ت شعيب الأرناؤوط)
8سنن الترمذي (5/ 507 رقم 3537 ت بشار)
9صحيح مسلم (4/ 2076 رقم 2703 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
شرح الحديث
(لَمَّا أَلْقَى الله عز وجل فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ) لما شرح الله صدر عمرو بن العاص رضي الله عنه للإسلام وهداه إلى قبوله بعد أن كان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ لِيُبَايِعَنِي) جاءه ليعقد معه بيعة الإسلام والطاعة (فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ) مد النبي ﷺ يده ليبايعه (فَقُلْتُ: لَا أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي) لم يطلب من النبي ﷺ أن يغفر له بنفسه؛ فمغفرة الذنوب لله وحده، وإنما أراد أن يطمئن إلى أن دخوله في الإسلام سبب لمغفرة ما سلف من ذنوبه، فكأنه اشترط على نفسه ألا تتم البيعة حتى يعلم أن الله يغفر له ماضيه، لشدة خوفه مما سبق منه قبل الإسلام (يَا عَمْرُو، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ) الهجرة إلى الله ورسوله بإخلاص تمحو ما قبلها من الذنوب، و«تجب» بمعنى تقطع وتمحو أثر ما سبق (يَا عَمْرُو، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ) من دخل الإسلام صادقًا غفر الله له ما كان منه حال كفره، فالإسلام يهدم ما قبله من الذنوب ويبدأ به العبد صفحة جديدة. وفي الحديث أن صدق التوبة والدخول في الإسلام يمحوان الماضي، فلا ينبغي لمن تاب أن يبقى أسير ذنب قد محاه الله؛ فالندم يدفع إلى التوبة، فإذا صحت التوبة لم يجز أن يتحول الندم إلى يأس.
فوائد الحديث
ورد عند الإمام أحمد في المسند هكذا «تَغْفِرَ لِي» والصواب ما أثبتناه في المتن وهو لفظ الطحاوي: «(يُغفَرَ لي» وهو الموافق لرواية مسلم وفيها: «أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ: تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي». 1