تخريج حديث 2150: «كُنَّ إِمَاءُ عُمَرَ رضي الله…»
عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ:
كُنَّ إِمَاءُ عُمَرَ رضي الله عنه يَخْدِمْنَنَا كَاشِفَاتٍ عَنْ شُعُورِهِنَّ، تَضْرِبُ ثُدِيُّهُنَّ.”
عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ:
كُنَّ إِمَاءُ عُمَرَ رضي الله عنه يَخْدِمْنَنَا كَاشِفَاتٍ عَنْ شُعُورِهِنَّ، تَضْرِبُ ثُدِيُّهُنَّ.”
أورده البيهقي، ثم قال عقبه: «والآثار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك صحيحة».1 وقال الألباني: «إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات غير شيخ البيهقي أبي القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحَرْفي، وهو صدوق».2
رواه البيهقي،1 من طريق أبي القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحَرْفي، عن علي بن محمد بن الزبير الكوفي، عن الحسن بن علي بن عفان، عن زيد بن الحُباب، عن حماد بن سلمة، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن جده أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنَّ إِمَاءُ عُمَرَ رضي الله عنه يَخْدِمْنَنَا كَاشِفَاتٍ عَنْ شُعُورِهِنَّ، تَضْرِبُ ثُدِيُّهُنَّ». وهذا هو اللفظ المثبت في متن الطبعة، إلا أن في هامشها عن نسخة رمز إليها بـ«ن»: «تضطرب» بدل «تضرب».2 فاختلاف اللفظ قديم في نسخ الكتاب.
ورواه يحيى بن سلام،3 فقال: «حدثني حماد ونصر بن طريف، عن ثمامة بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك قال: كن جواري عمر يخدمننا كاشفات الرؤوس، تضطرب ثديهن، بادية خدامهن». ولفظ «ثمامة بن أنس» والمقصود ثمامة بن عبد الله بن أنس. وفي هذه الرواية ثلاثة اختلافات عن رواية البيهقي: «كاشفات الرؤوس» بدل «كاشفات عن شعورهن»، و«تضطرب» بدل «تضرب»، وزيادة «بادية خدامهن»، والخِدام: الخلاخيل.4
ولا يصح رد لفظ يحيى بن سلام بمجرد أن في إسناده نصر بن طريف؛ لأن يحيى لم يقل: حدثني نصر وحده، وإنما قال: «حدثني حماد ونصر بن طريف»، فذكر المتابعة.
فالعلة في هذا الوجه ليست مجرد وجود نصر، وإنما أن يحيى بن سلام نفسه دون زيد بن الحُباب في الضبط؛ قال أبو حاتم فيه: «صدوق»، وقال ابن عدي: «يكتب حديثه مع ضعفه»، وقال الدارقطني: «ليس بالقوي».5 ولهذا فروايته تصلح لإثبات أن أصل الخبر كان معروفًا عن حماد، لكنها لا تقاوم رواية زيد بن الحُباب عند الاختلاف في ضبط لفظه.
فمدار الأثر على حماد بن سلمة، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس. وثمامة بن عبد الله بن أنس الأنصاري البصري ثقة؛ قال أحمد والنسائي: «ثقة»، وقال العجلي: «ثقة»، وقال ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس به... وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي».6 وقد صحب جده أنسًا مدة طويلة، فلا إشكال في اتصاله به.
وأما ما نقل عن ابن معين مما قد يوهم تضعيف ثمامة، فلا يصح إطلاقه في جميع روايته؛ فإن نص ابن معين إنما جاء عند سؤاله عن حديث ثمامة في كتاب الصدقات، فقال: «وجد كتابًا في الصدقات... لا يصح وليس بشيء»، فالكلام منصب على طريق تحمُّل ذلك الكتاب خاصة، لا على أن ثمامة ضعيف مطلقًا.7 وقد احتج أصحاب الكتب الستة بثمامة، ووثقه أحمد والنسائي والعجلي كما تقدم. فلا وجه لتعليل أثرنا بضعف ثمامة.
وأما زيد بن الحُباب بن الرَّيَّان العُكْلي، أبو الحسين الكوفي، فقد وثقه ابن معين وعلي بن المديني وأبو حاتم، وقال أحمد: كان صدوقًا مع وقوع الخطأ له، وأشهر ما تكلم فيه روايته عن سفيان الثوري؛ ولهذا قال ابن حجر: «صدوق يخطئ في حديث الثوري».8 وأثرنا ليس من روايته عن الثوري، وإنما عن حماد بن سلمة، فلا يصح جر الجرح الخاص بروايته عن الثوري إلى هذا الطريق.
ويبقى موضع النظر الحقيقي: حماد بن سلمة، فهو إمام ثقة، قال أحمد: «حماد بن سلمة عندنا من الثقات، ما نزداد فيه كل يوم إلا بصيرة»، إلا أن النقاد عرفوا له أوهامًا، ولا سيما في حديثه عن غير بعض شيوخه الذين أتقن حديثهم؛ فقال مسلم في «التمييز» في حديثه عن غير ثابت وأمثاله: «فإنه يخطئ في حديثهم كثيرًا».9 ومثله لا يحتمل التفرد، وخاصة لمخالفة لورايته للأصول، قال ابن حبان:«وأما من كثر خطؤه ولم يغلب على صوابه فهو مقبول الرواية فيما لم يخطئ فيه واستحق مجانبة ما أخطأ فيه فقط. مثل شريك وهشيم وأبي بكر بن عياش وأضرابهم كانوا يخطئون فيكثرون فروى عنهم واحتج بهم في كتابه. وحماد واحد من هؤلاء».10 ومثله لا يحتمل مثل هذا المتن.
وروى يحيى بن سلام،11 من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن عمر بن الخطاب رأى أمة عليها قناع فضربها بالدرة، وفي الرواية: «اكشفي رأسك، ولا تشبهي بالحرائر».12 وليس فيه دليل على كشف كشف الشعر، وإنما غاية ما فيه نهيه لها عن (التقنع) وهو تغطية الوجه.
وأما الاختلاف بين «تضرب» و«تضطرب» فلا ينبغي التساهل فيه؛ لأنهما لفظان مختلفان في المعنى. فرواية زيد بن الحُباب عن حماد عند البيهقي في أصل المتن: «تضرب ثديهن»، ومعناها الأقرب أن شعورهن كانت تبلغ ثديهن أو تضربها؛ فالفاعل مفهوم من قوله قبلها «شعورهن». ورواية يحيى بن سلام عن حماد ونصر: «تضطرب ثديهن»، أي تتحرك ثديهن، وهو لفظ آخر. كما أن نسخة من «سنن البيهقي» جاءت هي أيضًا بـ«تضطرب»، مما يدل على أن الاختلاف ليس أمرًا حادثًا في النقل المعاصر.13
(كُنَّ إِمَاءُ عُمَرَ رضي الله عنه) أي النساء المملوكات لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك العصر (يَخْدِمْنَنَا) أي يقمن بخدمة الحاضرين وما جرت به عادة الخدمة (كَاشِفَاتٍ عَنْ شُعُورِهِنَّ) أي غير متخمرات، وشعر رؤوسهن ظاهر (تَضْرِبُ ثُدِيُّهُنَّ) أي كانت شعورهن تمتد حتى تبلغ موضع الثدي وتضربه، فاللفظ لا يقول إن صدورهن كانت مكشوفة، وإنما ذكر الشعر أولًا ثم أخبر بأنه يضرب الثدي. وجاء في رواية أخرى: (تَضْطَرِبُ ثُدِيُّهُنَّ) أي تتحرك، وهذا لفظ مختلف في ثبوته كما تقدم، فلا يفسر أحد اللفظين بالآخر ولا يطمس اختلاف الروايات. وكل هذا لا يصح كما سبق.