قال شعيب الأرناؤوط: «إسناده ضعيف».1 وضعفه محققا «الزهد» لأبي داود من جهة عبد الله بن عمر العُمري.2
المصادر والمراجع
1سير أعلام النبلاء (1/ 17 ط الرسالة)
2الزهد لأبي داود (ص126-127 رقم 115 ت ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس)
تخريج الحديث
رواه أبو داود في الزهد،1 وابن عساكر،2 من طريق أحمد بن عمرو بن السَّرْح، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن عمر العُمري، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام، فذكر القصة بتمامها، وفي آخرها: «غَيَّرَتْنَا الدُّنْيَا كُلَّنَا غَيْرَكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ». وطريق ابن عساكر يبين أيضًا أن أبا سعيد ابن الأعرابي رواه عن أبي داود، فهو من رواية ابن الأعرابي لكتاب أبي داود.3
ومدار هذا السياق التام على عبد الله بن عمر بن حفص العُمري، وهو أخو عبيد الله بن عمر، وقد اختلف فيه. قال أحمد: «صالح لا بأس به، قد روي عنه، ولكن ليس مثل عبيد الله».4 وقال يحيى بن معين في روايته عن نافع: «صالح».5 وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه ولا يحتج به».6 لكن ضعفه يحيى بن معين في رواية أخرى، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، وقال علي بن المديني: «ضعيف».7
وتحتاج عبارة ابن معين إلى ضبط؛ فقد وقع في بعض نسخ «الكامل»: «صالح ثقة»، والصواب في «تاريخ الدارمي»: «صالح» فقط، ثم قال ابن معين في الليث بعده: «صالح ثقة»، ويظهر أن زيادة «ثقة» انتقلت من الترجمة التالية.8
فعبد الله العُمري ليس متروكًا، وضعفه محتمل، بل خص ابن معين روايته عن نافع بقوله: «صالح»، لكن أبا حاتم نص على أنه لا يحتج به، ولذلك فالإسناد لا يبلغ الصحة بنفسه.
وللقصة أصل من وجه آخر؛ رواه عبد الرزاق،9 وأحمد،10 وابن المبارك،11 وابن أبي الدنيا،12 والبيهقي،13 من طريق مَعمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال: قدم عمر الشام، فتلقاه عظماء أهل الأرض وأمراء الأجناد، ثم ذكر مجيء أبي عبيدة على ناقة مخطومة بحبل، ودخول عمر منزله، وأنه لم يجد فيه إلا سيفه وترسه ورحله، فقال أبو عبيدة: «يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل».14
وهذا الإسناد صحيح إلى عروة، لكن عروة لم يدرك هذه القصة عن عمر إدراك رواية؛ فهو منقطع، ولذلك لا يصح وصفه بأنه «إسناد صحيح» إلى عمر، وإنما يقال: إسناده صحيح إلى عروة، وهو مرسل أو منقطع.
والطريق المرسل يشهد لأصل زيارة عمر لأبي عبيدة، وشدة زهده وقلة متاعه، وقوله: «إن هذا سيبلغنا المقيل»، لكنه لا يحتوي على جميع تفاصيل طريق ابن عمر، ولا سيما قول عمر في آخره: «غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة». فلا يصح أن نجعل الطريق المرسل مصححًا لكل ألفاظ الطريق الموصول.
وأما قول الذهبي: «أخرجه أبو داود في سننه من طريق ابن الأعرابي»15 فهذا وهم وإنما هو في «الزهد» لأبي داود لا في «السنن» المتداولة، وقد رواه ابن عساكر بإسناده من طريق أبي سعيد ابن الأعرابي، عن أبي داود.16 فالظاهر أن مراد النسبة رواية ابن الأعرابي عن أبي داود، أما تسمية الكتاب بـ«السنن» فلا توافق المصدر الموجود بين أيدينا.
فالأثر بهذا السياق الطويل يدور على عبد الله بن عمر العُمري، وهو ضعيف عند جماعة من النقاد، وإن كان ضعفه غير شديد، وقول ابن معين فيه خاصة في نافع: «صالح» يمنع من طرح حديثه.
ويشهد لأصل القصة طريق معمر عن هشام بن عروة عن أبيه، وهو صحيح إلى عروة لكنه منقطع، ولا يتضمن جميع ألفاظ الرواية الموصولة. فالراجح أن أصل قصة دخول عمر على أبي عبيدة ورؤيته زهده ثابت من حيث المعنى بمجموع الطريقين، أما السياق التام، وخصوصًا قوله: «غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة»، فإسناده ضعيف، ولا أجزم بثبوته.
المصادر والمراجع
1الزهد لأبي داود (ص126-127 رقم 115 ت ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس)
2تاريخ دمشق (25/ 481 ت عمرو بن غرامة العمروي)
3تاريخ دمشق (25/ 481 ت عمرو بن غرامة العمروي)
4الجرح والتعديل (5/ 109-110 ط دائرة المعارف العثمانية)
5تاريخ ابن معين رواية الدارمي (ص150 رقم 523 ت أحمد محمد نور سيف)
6الجرح والتعديل (5/ 110 ط دائرة المعارف العثمانية)
7الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 233-234 ط الكتب العلمية)
8تاريخ ابن معين رواية الدارمي (ص150 رقم 523-524 ت أحمد محمد نور سيف)
9مصنف عبد الرزاق (11/ 311 رقم 20628 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
10الزهد لأحمد (ص152 رقم 1029)
11الزهد والرقائق (ص207 رقم 586 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
12الزهد (ص66 رقم 116)
13شعب الإيمان (7/ 372 رقم 10627)
14مصنف عبد الرزاق (11/ 311 رقم 20628 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
15سير أعلام النبلاء (1/ 17 ط الرسالة)
16تاريخ دمشق (25/ 481 ت عمرو بن غرامة العمروي)
شرح الحديث
(مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَعْصُرَ عَيْنَيْكَ عَلَيَّ) أي إنك إن دخلت منزلي ورأيت شدة تقللي من الدنيا رققت لي وبكيت، فكأنه يعصر عينيه ليستخرج دمعهما (لِبَدًا) كساءً أو فراشًا من صوف متلبد (وَشَنًّا) الشَّنُّ القربة القديمة البالية التي يستقى أو يحفظ فيها الماء (وَصَحْفَةً) إناء يؤكل فيه (جَوْنَةٍ) وعاء أو سلة يجعل فيها الطعام والمتاع (كُسَيْرَاتٍ) قطعًا قليلة من الخبز (يَكْفِيكَ مِنَ الدُّنْيَا مَا بَلَّغَكَ الْمَقِيلَ) أي يكفي الإنسان من متاع الدنيا ما يبلغه منزل راحته ونهاية سفره، والمراد أن الدنيا مرحلة عابرة لا تستحق التوسع الذي يشغل عن الآخرة (غَيَّرَتْنَا الدُّنْيَا كُلَّنَا غَيْرَكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ) أي دخل على غيره شيء من التوسع في الدنيا بعد الفتوح، بينما بقي أبو عبيدة على شدة زهده وتقلله، وهذه الجملة خاصة لا تثبت بثبوت الطريق المرسل المختصر.