لم أقف على حكم لمحدث متقدم على هذه القصة بعينها؛ وإنما أوردها القرطبي بصيغة التمريض فقال: «وقيل: إن رجلين كانا في عهد النبي ﷺ...» ولم يذكر لها إسنادًا ولا من رواها.1
المصادر والمراجع
1الجامع لأحكام القرآن (12/ 279-280 ت أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش)
تخريج الحديث
ذكر القرطبي القصة عند تفسير قول الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ فقال: «وقيل: إن رجلين كانا في عهد النبي ﷺ...» ثم ساق قصة البائع وصانع السيوف، وختمها بقوله: «فأنزل الله تعالى هذا ثناء عليهما وعلى كل من اقتدى بهما».1 ولم يسند القرطبي هذا القول، ولم يسم قائله، وصدره بصيغة «وقيل»؛ فلا يصح إثبات القصة ولا جعلها سببًا لنزول الآية.
ولم أقف على هذه القصة بهذا التفصيل في تفسير ابن أبي حاتم، مع أنه ساق عدة أوجه وآثار عند الآية. وإنما روى عن ابن عباس من طريق عمرو بن أبي قيس، عن سِماك بن حرب، عن عكرمة، عنه، في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ أن ذلك في قوم لا تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله، وليس فيه ذكر رجلين ولا الميزان ولا المطرقة ولا السندان.2
وروى الحاكم هذا الأثر نفسه من طريق محمد بن سعيد بن سابق، عن عمرو بن أبي قيس، عن سِماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وفيه: «وكانوا أتجر الناس وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله»، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».3 وليس كذلك.
وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عَمرو بن دينار مولى آل الزبير، عن سالم، عن ابن عمر: أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: «فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾».4 لكن عَمرو بن دينار هذا هو قَهْرمان آل الزبير، وهو ضعيف، قال أحمد: «ضعيف»، وقال يحيى بن معين: «ليس بشيء»، وقال البخاري: «فيه نظر»، وقال النسائي: «ضعيف»، فلا يعتمد هذا الطريق في إثبات سبب النزول.5
وروى الطبري من طريق هُشيم، عن سَيَّار، قال: «حُدِّثت عن ابن مسعود» أنه رأى قومًا من أهل السوق لما نودي بالصلاة تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال: «هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾».6 وهذا الإسناد منقطع؛ لأن سَيَّارًا لم يسم من حدثه عن ابن مسعود، فلا يصح الاحتجاج به على سبب نزول مخصوص.
ونقل السيوطي عن ابن مردويه، عن ابن عباس أنه قال في الآية: «كانوا رجالًا يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون، فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما بأيديهم وقاموا إلى المسجد فصلوا».7 وهذا أقرب الأخبار معنى إلى القصة المتداولة، لكن لم أقف على إسناد ابن مردويه حتى يحكم عليه، وليس فيه أيضًا تعيين رجلين ولا الميزان ولا صانع السيوف.
وأما ما روي مرفوعًا عن أبي هريرة رضي الله عنه في تفسير الآية: «هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله»، فقد رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة، عن دراج، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة،8 وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه فقال أبو حاتم: «هذا حديث منكر، ودراج في حديثه صنعة».9 فلا يصح جعل هذا المرفوع أصلًا للقصة كذلك.
فالقصة المشهورة عن الرجلين لا تعرف بإسناد فيما وقفت عليه، وأقدم موضع وقفت عليه يذكرها بهذا التفصيل هو القرطبي، وقد أوردها بصيغة «وقيل» بلا سند. والآثار المسندة الواردة في تفسير الآية تثبت أو تؤيد المعنى العام، وهو أن التجارة لا تشغل أهل الإيمان عن الصلاة وذكر الله، لكنها لا تثبت أن الآية نزلت في رجلين مخصوصين، ولا قصة الميزان والمطرقة وصانع السيوف.
المصادر والمراجع
1الجامع لأحكام القرآن (12/ 279-280 ت أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش)
2تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2607 رقم 14646 ت أسعد محمد الطيب)
3المستدرك على الصحيحين (4/ 301 رقم 3552 ط الرسالة)
4تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2607 رقم 14647 ت أسعد محمد الطيب)
5ميزان الاعتدال (3/ 266 ت علي محمد البجاوي)
6جامع البيان (19/ 192-193)
7الدر المنثور (6/ 205)
8تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2607 رقم 14645 ت أسعد محمد الطيب)