المحفوظ: «الْجُمُعَاتِ»، وأما «الْجَمَاعَاتِ» في رواية ابن ماجه فغير محفوظ، والظاهر أنه تصحيف.
أحكام المحدثين
احتج مسلم بأصل الحديث من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة،1 وأورده ابن حبان من حديث ابن عمر وابن عباس في «صحيحه»2 وقال محققو المسند في طريق عفان عن أبان: «إسناده صحيح على شرط مسلم».3 وصححه الألباني.4
لكن أعل النقاد بعض طرقه؛ فقال المزي بعد ذكر اختلاف رواياته: «وقد اختلف فيه على الحكم بن ميناء، وعلى يحيى بن أبي كثير».5 وأعل أبو حاتم الوجه الذي أُدخل فيه الحضرمي بن لاحق، ورجح أن الوهم وقع في سياقه.6 وفصل الدارقطني الاختلاف على يحيى بن أبي كثير، فبيّن أن التصريح بسماعه من أبي سلام وهم، وقال: «ويحيى لم يسمعه من أبي سلام» وأن حِبَّان بن هلال تفرد بإدخال الحضرمي بن لاحق بين يحيى وزيد بن سلام، فقال: «ولم يتابع على ذلك».7 وهذه العلل متوجهة إلى بعض صور الإسناد، لا إلى أصل الحديث الذي ثبت بطريق صحيح مستقل عند مسلم.
المصادر والمراجع
1صحيح مسلم (2/ 591 رقم 865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
2صحيح ابن حبان (7/ 25 رقم 2785 ت شعيب الأرناؤوط)
3مسند أحمد (4/ 142 رقم 2290 ط الرسالة)
4السلسلة الصحيحة (6/ 1135 رقم 2967 ط مكتبة المعارف)
5تهذيب الكمال (7/ 146 ت بشار)
6علل ابن أبي حاتم (رقم 596)
7علل الدارقطني (13/ 152-154 رقم 3032 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 وابن حبان،2 وأبو يعلى،3 من طريق يزيد بن هارون، عن هشام الدَّسْتَوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام مَمْطور الحبشي، عن الحكم بن ميناء، عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، مرفوعًا بلفظ «الْجُمُعَاتِ».4 وقد رواه عن هشام بهذا الوجه جماعة غير يزيد؛ فذكر الدارقطني وَهْب بن جرير، وأبا بحر البَكْراوي، وعبد العزيز بن أبان، وهَيَّاجًا، كلهم عن هشام، عن يحيى، عن أبي سلام، عن الحكم، عن ابن عمر وابن عباس.5
وخالفهم أبو أسامة حماد بن أسامة؛ فرواه عن هشام الدَّسْتَوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحكم بن ميناء مباشرة، عن ابن عباس وابن عمر، وأسقط أبا سلام، ووقع في متنه: «عَنْ وَدْعِهِمُ الْجَمَاعَاتِ»، رواه ابن ماجه.6
وهذه الصورة مخالفة لرواية الجماعة عن هشام؛ فإن الدارقطني ذكر خمسة من أصحابه يثبتون أبا سلام بين يحيى والحكم، ولهذا لا تكون رواية أبي أسامة هي المحفوظة في إسناد هشام.7
ثم إن رواية هشام عن يحيى عن أبي سلام نفسها ليست على ظاهر الاتصال؛ فقد قال الدارقطني: «ويحيى لم يسمعه من أبي سلام»، وبيّن أن عثمان بن الهيثم لما قال في روايته عن هشام: «حدثني أبو سلام» وهم في التصريح بالسماع.8 وقد ثبت عن يحيى بن أبي كثير نفسه أنه قال عن مروياته عن أبي سلام: إنها من كتاب، ولذلك احتاج النقاد إلى البحث عن الواسطة بينهما.
ورواه أحمد من وجه أكمل عن يحيى؛ فقال: حدثنا عفان، حدثنا أبان العطار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحكم بن ميناء، عن ابن عباس وابن عمر، مرفوعًا: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ...».9 ورواه همام بن يحيى كذلك عن يحيى، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، كما حكاه الدارقطني.10 فثبت ذكر زيد بين يحيى وأبي سلام من غير وجه عن يحيى.
وقد اختلف النقاد في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلام؛ فنفاه يحيى بن معين، وقال: لم يلقه، وإن يحيى أخذ كتاب زيد من أخيه معاوية بن سلام، بينما أثبت أبو حاتم السماع، ونقل عن يحيى قوله: «قد كان أخوك يجيئنا فنسمع منه». وأما أحمد فقال لما سئل عن سماعه من زيد: «ما أشبهه».11 فليس الانقطاع بين يحيى وزيد أمرًا متفقًا عليه.
ورواه النسائي،12 من طريق حِبَّان بن هلال، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحكم بن ميناء، عن ابن عباس وابن عمر، مرفوعًا بلفظ «الْجُمُعَاتِ».13
وخالف حِبَّانَ بن هلال عفانُ بن مسلم في روايته عن أبان؛ فرواه عفان عن أبان، عن يحيى، عن زيد، عن أبي سلام، من غير ذكر الحضرمي.14 وقال الدارقطني في رواية حبان بإدخال الحضرمي: «ولم يتابع على ذلك».15 وأعل أبو حاتم هذا الوجه أيضًا، وقال إن رواية أبي سلام عن الحضرمي لا معنى لها، ورجح وقوع الوهم في ترتيب الإسناد.16 فزيادة الحضرمي في هذا الموضع غير محفوظة.
وقد وقع في بعض ألفاظ «علل ابن أبي حاتم» عند ذكر رواية معاوية بن سلام: «عن ابن عمر وابن عباس» لكن الطريق المحفوظ عن معاوية بن سلام في «صحيح مسلم» وغيره هو: معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن الحكم بن ميناء، عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة، لا ابن عباس.17 وكذلك حكاه الدارقطني بهذا الوجه.18 فذكر ابن عباس في هذا الموضع من نقل «العلل» يحتاج إلى مراجعة النسخ، ولا يعارض الطريق المحفوظ في «صحيح مسلم».
وأصل الحديث محفوظ من طريق لا مدخل ليحيى بن أبي كثير في اختلافه؛ فرواه مسلم،19 والدارمي،20 والطبراني،21 من طريق معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، أنه سمع جده أبا سلام، قال: حدثني الحكم بن ميناء، أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهم حدثاه أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ».22 وهذه أصح طرق الحديث؛ رجالها ثقات، وسماع بعضهم من بعض مصرح به، وهي سالمة من الاختلاف الواقع على يحيى بن أبي كثير.
وأما لفظ «الْجَمَاعَاتِ» الواقع في «سنن ابن ماجه» فمخالف لروايات الحديث المحفوظة؛ فروايات أحمد المتعددة،23 والنسائي،24 وابن حبان،25 ومسلم من طريق ابن عمر وأبي هريرة،26 كلها على «الْجُمُعَاتِ»، وهي الموافقة لسياق الوعيد في ترك صلاة الجمعة. وقد نبه المزي عند ذكر رواية ابن ماجه فقال: «وقال: الجماعات»، ثم عقب بذكر الاختلاف في الحديث.27 فالأظهر أن «الجماعات» تصحيف عن «الجُمُعات»، ولا يجوز بناء حكم صلاة الجماعة على هذا اللفظ المصحف.
فالحديث صحيح بلا ريب من حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة بطريق مسلم، وثابت المتن بلفظ «الْجُمُعَاتِ». وأما طريق ابن عمر وابن عباس فقد وقع فيه اختلاف كثير على يحيى بن أبي كثير: فرُوي عنه عن الحكم مباشرة، وعن أبي سلام عن الحكم، وعن زيد عن أبي سلام عن الحكم، وزيد الحضرمي بن لاحق في بعض الطرق؛ وقد بين أبو حاتم والدارقطني أوهام بعض هذه الوجوه. وأقوى وجوه طريق ابن عباس ما رواه عفان عن أبان، عن يحيى، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحكم، مع بقاء الخلاف في سماع يحيى من زيد. لكن هذا الاختلاف لا يقدح في أصل الحديث؛ لأن الطريق الصحيح عند مسلم مستقل عنه. والمحفوظ في المتن «عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ»، وأما «الجماعات» فغير محفوظ.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (4/ 36 رقم 2132 ط الرسالة)
2صحيح ابن حبان (7/ 25 رقم 2785 ت شعيب الأرناؤوط)
3مسند أبي يعلى (10/ 110 رقم 5742 ت حسين سليم أسد)
4مسند أحمد (4/ 36 رقم 2132 ط الرسالة)
5علل الدارقطني (13/ 152-154 رقم 3032 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
6سنن ابن ماجه (1/ 260 رقم 794 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
7علل الدارقطني (13/ 152-154 رقم 3032 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
8علل الدارقطني (13/ 152-154 رقم 3032 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
9مسند أحمد (4/ 142 رقم 2290 ط الرسالة)
10علل الدارقطني (13/ 152-154 رقم 3032 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
11تهذيب الكمال (10/ 78-79 ت بشار)
12سنن النسائي (3/ 88 رقم 1370 ت عبد الفتاح أبو غدة)
13سنن النسائي (3/ 88 رقم 1370 ت عبد الفتاح أبو غدة)
14مسند أحمد (4/ 142 رقم 2290 ط الرسالة)
15علل الدارقطني (13/ 152-154 رقم 3032 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
16علل ابن أبي حاتم (رقم 596)
17صحيح مسلم (2/ 591 رقم 865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
18علل الدارقطني (13/ 152-154 رقم 3032 ت محفوظ الرحمن زين الله السلفي)
19صحيح مسلم (2/ 591 رقم 865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
20مسند الدارمي (2/ 979 رقم 1611 ت حسين سليم أسد)
21المعجم الأوسط (1/ 129 رقم 406 ت طارق بن عوض الله وعبد المحسن الحسيني)
22صحيح مسلم (2/ 591 رقم 865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
23مسند أحمد (4/ 36 رقم 2132، 4/ 142 رقم 2290، 5/ 214 رقم 3099 ط الرسالة)
24سنن النسائي (3/ 88 رقم 1370 ت عبد الفتاح أبو غدة)
25صحيح ابن حبان (7/ 25 رقم 2785 ت شعيب الأرناؤوط)
26صحيح مسلم (2/ 591 رقم 865 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
27تهذيب الكمال (7/ 146 ت بشار)
شرح الحديث
(أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ) قال النبي ﷺ هذا الوعيد وهو على منبره يخطب الناس، والأعواد هي خشب المنبر. (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ) ليكفَّن أقوام ويتركن ما هم عليه، واللام والنون للتوكيد الشديد (عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ) أي عن تركهم صلاة الجمعة والتخلف عنها من غير عذر؛ فـ«الوَدْع» بمعنى الترك، والمحفوظ «الجُمُعات» لا «الجماعات». (أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي إن لم ينتهوا عن التهاون بالجمعة عوقبوا بالطبع على القلوب حتى يقسو القلب ويُحرم من الانتفاع بالموعظة والإقبال على الطاعة (ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ) يصيرون بسبب إصرارهم وعقوبة الختم ممن استولت عليهم الغفلة عن الله وطاعته، وهذا من أشد الوعيد؛ إذ تبدأ العقوبة بترك الطاعة وتنتهي بفساد القلب وغفلته.
فوائد الحديث
ما توعّد النبي ﷺ تارك الجمعة بالختم على قلبه إلا لعظيم خطرها؛ فإن من اعتاد ترك الجمعة بغير عذر، عرّض قلبه لعقوبة أعظم من فوات الصلاة، وهي الغفلة عن الله. والقلب إذا أُغلق عن الموعظة لم تنفعه كثرة المواعظ، وإذا استحكمت فيه الغفلة استثقل الطاعة واستلذ المعصية.
ومن أعظم المصائب أن يُعاقب العبد في دينه وهو لا يشعر، فيظن أنه بخير ما دامت دنياه بخير. وقد يخرج الرجل من بيته حريصًا على رزق يخشى فواته، ويترك الجمعة التي جعلها الله سببًا لحياة قلبه؛ وما علم أن خسارة الدين أعظم من خسارة الدنيا. ومن هانت عليه فرائض الله، هان عليه ما بعدها، حتى يُحرم لذة الطاعة فلا يشعر بحرمانه.