قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».1 وصحح ابن جرير الطبري إسناده،2 وأورده ابن حبان في «صحيحه».3 وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».4 وأورده المنذري بصيغة الجزم،5 وحسنه الألباني بعد أن كان قد ضعفه.6
لكن الإثيوبي ضعفه، وقال: «في سنده إسماعيل بن عبيد لم يرو عنه غير ابن خثيم، فهو مجهول عين».7 وكان الألباني قد حكم عليه بالضعف قبل رجوعه إلى تقويته.8
المصادر والمراجع
1سنن الترمذي (499/2 رقم 1210 ت بشار عواد معروف)
2تهذيب الآثار - مسند علي (48/3)
3صحيح ابن حبان (276/11 رقم 4910 ت شعيب الأرناؤوط)
4المستدرك على الصحيحين (8/2 رقم 2144)
5الترغيب والترهيب للمنذري (366/2 ط العلمية)
6السلسلة الصحيحة (693/2 رقم 994)
7ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (74/34)
8غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (ص124 رقم 168)
تخريج الحديث
رواه عبد الرزاق،1 والدارمي،2 وابن ماجه،3 والترمذي،4 وابن أبي عاصم،5 وابن حبان،6 والطبراني،7 والحاكم،8 من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن إِسماعيل بن عُبيد بن رِفاعة، عن أبيه، عن جده رِفاعة بن رافع رضي الله عنه، مرفوعًا.
ورواه عن ابن خُثَيم جماعة؛ منهم مَعمر بن راشد، وسفيان الثوري، وبِشر بن المُفضَّل، وداود بن عبد الرحمن العطار، ويحيى بن سُليم الطائفي، ومسلم بن خالد، وإسماعيل بن زكريا وغيرهم. فاتفاق هؤلاء يدل على أن الحديث محفوظ عن ابن خُثَيم بهذا الإسناد، ولا يظهر أن العلة ممن دونه من أصحابه.
لكن هذا التعدد كله لا يتجاوز ابن خُثَيم؛ فليس عندنا طرق مستقلة عن إِسماعيل بن عُبيد، وإنما أصحاب متعددون يروون عن المدار نفسه، وموضع النظر الحقيقي هو إِسماعيل.
وإِسماعيل بن عُبيد -ويقال: ابن عُبيد الله- بن رِفاعة قليل الرواية، ولم يعرف له راوٍ غير عبد الله بن عثمان بن خُثَيم. قال البخاري: «لم يرو عنه غير ابن خثيم».9 وقال أبو حاتم وأبو زرعة: «روى عن أبيه عن جده، روى عنه عبد الله بن عثمان بن خثيم».10 ولم ينقلا فيه توثيقًا. وذكره ابن حبان في «الثقات»،11 لكن مجرد ذكر ابن حبان له في «الثقات» مع تفرد راو واحد عنه لا يرفع جهالته عندنا.
وأبوه عُبيد بن رِفاعة ليس موضع العلة؛ فهو تابعي معروف، وثقه العجلي، وإنما العلة في ابنه إِسماعيل الذي لم يشتهر بالرواية ولم يوثقه إمام معتبر توثيقًا صريحًا.
ولا يصح أن يقال: إن حكم الترمذي بالحسن والصحة يرفع هذه الجهالة حتمًا؛ فحكمه على الحديث معتبر وقوي، لكنه يقابل بعلة ظاهرة في بنية الإسناد، وهي أن مدار الطريق على راو لم يعرف له إلا راو واحد ولم يثبت فيه توثيق صريح، وتصحيح ابن جرير والحاكم وإخراج ابن حبان له يدل على قبولهم لهذا الطريق، لكنه لا يحول الراوي المجهول إلى ثقة بمجرد ذلك.
ورواه الطبراني،12 من طريق الحارث بن عُبيدة، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ أتى جماعة من التجار فقال: «يا معشر التجار...» وفيه: «إن الله باعثكم يوم القيامة فجارًا، إلا من صدق وبر وأدى الأمانة».
وهذا ليس طريقًا آخر للحديث أصلًا، وإنما هو خطأ على ابن خُثَيم، قال أبو حاتم في هذا الوجه: «هذا خطأ؛ إنما يرويه ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ».13 وقال ابن حبان في رواية ابن عباس: «هذا ليس له أصل صحيح يرجع إليه».14
فكلام أبي حاتم هنا لا يعني تصحيح طريق رِفاعة، وإنما معناه أن الوجه المحفوظ عن ابن خُثَيم هو حديث إِسماعيل بن عُبيد عن أبيه عن جده، وأن العدول به إلى سعيد بن جُبير عن ابن عباس خطأ، وقد يبين إمام العلل الوجه المحفوظ من وجهين، ويبقى الوجه المحفوظ ضعيفًا لعلة أخرى. فلا يجوز تحويل ترجيح أبي حاتم إلى توثيق لإسماعيل أو تصحيح للإسناد.
ورواه البيهقي،15 من طريق عبد الله بن بكر السَّهمي، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عَمرو بن دينار، عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: أتانا رسول الله ﷺ إلى البقيع فقال: «يا معشر التجار!» حتى إذا اشرأبوا قال: «إن التجار يحشرون يوم القيامة فجارًا، إلا من اتقى وبر وصدق».
وظاهر هذا الطريق يصلح شاهدًا قويًا، لكن فيه علة؛ فإن عَمرو بن دينار لم يسمع من البراء. قال يحيى بن معين في سماعه منه ما يدل على عدم الاتصال، وسأل الترمذي البخاري عن حديث عَمرو عن البراء فقال: «عمرو بن دينار لم يسمع من البراء، وبينهما عندي رجل».16
ثم إن الحديث الذي رواه الترمذي من الطريق نفسه: عبد الله بن بكر، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عَمرو بن دينار، عن البراء، إنما لفظه: «يا معشر التجار، إنكم تكثرون الحلف».17 وهذا اختلاف في متن الطريق نفسه؛ فلا يطمأن إلى جعله شاهدًا محفوظًا للفظ: «يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى وبر وصدق».
فطريق البراء وإن كان مستقلًا من جهة الإسناد، لا يصلح عند التحقيق لرفع حديث رِفاعة إلى الحسن؛ لانقطاعه، مع اختلاف المتن المحفوظ بهذا الإسناد.
وجاء من حديث عبد الرحمن بن شِبل رضي الله عنه أصل المعنى؛ رواه أحمد،18 والطحاوي،19 والحاكم،20 من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي راشد الحُبراني، عن عبد الرحمن بن شِبل رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إن التجار هم الفجار»، فقالوا: يا رسول الله، أليس قد أحل الله البيع؟ قال: «بلى، ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون».
وهذا في أصل وصف التجار الذين يقعون في الكذب والحلف بالفجور، لكنه لا يحمل لفظ حديث رِفاعة كاملًا؛ فليس فيه: «يبعثون يوم القيامة»، ولا الاستثناء: «إلا من اتقى الله وبر وصدق». ولذلك هو شاهد لأصل المعنى، لا شاهد لنفس اللفظ والزيادة الغيبية.
وروي في الباب من حديث ابن عباس حديث آخر: «إن شر الناس يوم القيامة التجار...» وهو شديد الضعف، فلا يصلح شاهدًا، ولا حاجة إلى تكثير الطرق بما لا يحتمل الاعتبار.
فإذا جمعت الطرق تبين أن حديث رِفاعة هو العمدة، ومداره على إِسماعيل بن عُبيد المجهول؛ وطريق ابن عباس خطأ عند أبي حاتم، وطريق البراء منقطع مع اختلاف متنه، وحديث عبد الرحمن بن شِبل لا يشهد لأصل وصف التجار بالفجور فقط، ولا يشهد لخصوص البعث يوم القيامة ولا للاستثناء الوارد في حديث رِفاعة.
وأقوى حجة للتصحيح حكم الترمذي: «حسن صحيح»، وتصحيح ابن جرير والحاكم، وإيراد ابن حبان له في «صحيحه»، مع اتفاق أصحاب ابن خُثَيم على روايته بهذا الوجه، وثبوت أصل معنى الحديث من حديث عبد الرحمن بن شِبل الصحيح. وهذه قرائن قوية، ولذلك لا يوصف الحديث بالنكارة ولا بالضعف الشديد.
وأقوى حجة للتضعيف أن الحديث مع كثرة مخرجيه لا يتجاوز إِسماعيل بن عُبيد، ولم يرو عنه غير ابن خُثَيم، ولم يثبت فيه توثيق معتبر، فتبقى جهالته قائمة. أما بقية الطرق فلا تصلح متابعة حقيقية تتجاوز هذا الموضع: طريق ابن عباس خطأ، وطريق البراء منقطع مختلف المتن، وحديث عبد الرحمن بن شِبل شاهد للمعنى دون اللفظ الخاص.
والجواب عن تصحيح الترمذي ومن وافقه أن أحكامهم معتبرة ولا تُطرح، لكنها لا تمنع إعادة فحص بنية الطريق، ولا سيما إذا ظهر أن الراوي الذي عليه مدار الحديث مجهول ولم توجد له متابعة صحيحة. كما أن قبول بعض المتقدمين لمستور أو مجهول في موضع لا يلزم منه جعل حديثه صحيحًا على الإطلاق.
المصادر والمراجع
1مصنف عبد الرزاق (458/11 رقم 20999 ت حبيب الرحمن الأعظمي)
2سنن الدارمي (1652/3 رقم 2580 ت حسين سليم أسد)
3سنن ابن ماجه (726/2 رقم 2146 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
4سنن الترمذي (499/2 رقم 1210 ت بشار عواد معروف)
5الآحاد والمثاني (32/4 رقم 1974)
6صحيح ابن حبان (276/11 رقم 4910 ت شعيب الأرناؤوط)
7المعجم الكبير للطبراني (43-44/5 رقم 4541-4542 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
8المستدرك على الصحيحين (8/2 رقم 2144)
9التاريخ الكبير للبخاري (367/1)
10الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (187/2 رقم 633)
11الثقات لابن حبان (28/6)
12المعجم الكبير للطبراني (68/12 رقم 12499 ت حمدي عبد المجيد السلفي)
13علل الحديث لابن أبي حاتم (670/3 رقم 1178 ت سعد الحميد وخالد الجريسي)
14المجروحين لابن حبان (225/1 ت محمود إبراهيم زايد)
15شعب الإيمان (484/6 رقم 4507 ط الرشد)
16العلل الكبير للترمذي (ص178 رقم 309)
17العلل الكبير للترمذي (ص178 رقم 309)
18مسند أحمد (440/24 رقم 15669 ط الرسالة)
19شرح مشكل الآثار (325/5 رقم 2077 ت شعيب الأرناؤوط)
20المستدرك على الصحيحين (8/2 رقم 2145)
شرح الحديث
(أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى) المراد أن رِفاعة رضي الله عنه خرج مع النبي ﷺ إلى موضع اجتماع الناس، وجاء في بعض الروايات «إلى البقيع» وفي بعضها «إلى السوق»، والمقصود أنه مر بموضع يتعامل فيه الناس بالبيع والشراء. (فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ) كانوا مشتغلين بالبيع والشراء، فناسب أن يخاطبهم بما يحذرهم من آفات التجارة. (يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ) المعشر الجماعة المشتركون في وصف واحد، فناداهم ﷺ باسم حرفتهم لينتبهوا إلى ما يتعلق بها من أحكام وآداب. (فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ) أقبلوا إلى ندائه وتركوا ما كانوا مشتغلين به ليسمعوا كلامه. (وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ) تطلعوا إليه ومدوا أعناقهم اهتمامًا بما سيقوله وانتظارًا لتوجيهه. (إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا) على فرض ثبوت هذا اللفظ، المراد الوعيد للتجار الذين غلب عليهم الكذب والغش والحلف والخيانة وأكل الأموال بالباطل، وليس المراد أن مجرد الاشتغال بالتجارة فجور؛ فأصل البيع حلال، وثبت في الحديث الصحيح تفسير وصف التجار بالفجور بكثرة الكذب والحلف والإثم. و«الفجار» جمع فاجر، وهو المتجاوز لحدود الله بالمعصية. (إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ) استثناء لمن راقب الله في بيعه وشرائه، فاجتنب الحرام والغش والخيانة والربا واليمين الكاذبة. (وَبَرَّ) البر يشمل الإحسان وحسن المعاملة والوفاء بالحقوق والسماحة وترك الظلم. (وَصَدَقَ) التزم الصدق في بيان السلعة وعيوبها وثمنها وفي كلامه ووعوده، فلم يجعل الكذب وسيلة إلى ترويج تجارته.