أصلحه أبو داود،1 وأورده الضياء في «المختارة»، وقال عقب روايته: «إنما أخرجناه لقوله: شاف كاف، إلى آخره، فإنه لم يذكر في الصحيح».2 وقال محققو المسند: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».3
المصادر والمراجع
1سنن أبي داود (1/ 550 رقم 1477 ط مع عون المعبود)
2الأحاديث المختارة (3/ 379 رقم 1175 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
3مسند أحمد (35/ 84 رقم 21149 ط الرسالة)
تخريج الحديث
رواه أحمد،1 وأبو داود،2 والطحاوي،3 والبيهقي،4 والضياء،5 من طرق عن هَمَّام بن يحيى العَوْذي، عن قتادة بن دعامة، عن يحيى بن يَعْمَر، عن سليمان بن صُرَد الخزاعي، عن أُبي بن كعب رضي الله عنه، مرفوعًا. ورواه أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي، عن همام، بالسياق المذكور، وفيه تسمية ابن مسعود، وقوله: «كِلاكُمَا مُحْسِنٌ مُجْمِلٌ»، وقوله: «لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ»، والأمثلة: «غَفُورًا رَحِيمًا...»، وخاتمة: «مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ...».6
وتابع عبدَ الرحمن بن مهدي عن همام جماعة؛ فرواه بَهْز بن أسد، وهُدْبة بن خالد، وأبو الوليد الطيالسي، وعفان بن مسلم عن همام بهذا الإسناد، مع اختلاف يسير في السياق والألفاظ. ففي رواية هُدْبة عند الطحاوي ذُكر رجل ثالث خالف قراءة أُبي وابن مسعود، وفيها: «غفورًا رحيمًا، أو سميعًا حكيمًا، أو عليمًا حكيمًا، أو عزيزًا حكيمًا»، ثم قال: «وزاد سليمان في حديثه: ما لم يختم عذاب برحمة، أو رحمة بعذاب».7 وفي رواية الضياء جاءت الأمثلة دون الجملة الأخيرة، ولذلك قال الضياء: «إنما أخرجناه لقوله: شاف كاف، إلى آخره، فإنه لم يذكر في الصحيح».8
وموضع النظر في هذا الطريق هو رواية قتادة عن يحيى بن يعمر؛ فقد اختلف الأئمة في سماعه منه. فقال أحمد: «لم يسمع قتادة من يحيى بن يعمر شيئًا».9 وفي رواية الأثرم عنه لما سئل: أسمع قتادة من يحيى؟ قال: «لا أدري، قد روى عنه، وعن رجل عنه». وفي المقابل قال البخاري في ترجمة يحيى بن يعمر: «سمع منه قتادة».10
ويؤيد إثبات السماع أن البيهقي رواه من طريق عفان، عن همام، فقال: «حدثنا قتادة، حدثني يحيى بن يعمر»، وهو تصريح بالسماع.11 لكن البيهقي أعقبه بقوله: «ورواه معمر عن قتادة فأرسله».12 ورواية معمر المرسلة محفوظة عنه، وفيها أن قتادة قال: قال لي أُبي بن كعب، فأسقط من بينه وبين أُبي.
فالاختلاف في اتصال طريق قتادة قائم، ولا يصح إغفاله لمجرد أن رجاله رجال الصحيح، لكن الحديث لا يتوقف ثبوته على هذا الطريق؛ إذ جاء أصل القصة ومعظم ألفاظها من أسانيد صحيحة مستقلة.
فقد رواه مسلم،13 من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب رضي الله عنه: أنه كان في المسجد، فقرأ رجل قراءة أنكرها، ثم قرأ آخر قراءة أخرى، فأتوا النبي ﷺ فصوّب القراءتين، ووقع في نفس أُبي شيء، فضرب النبي ﷺ في صدره، ثم أخبره أنه أُمر أولًا أن يقرأ القرآن على حرف، ثم سأل التخفيف حتى أُذن له في سبعة أحرف. فهذا إسناد صحيح مستقل يثبت أصل القصة، واختلاف القراءات، وضرب النبي ﷺ صدر أُبي، والتدرج حتى سبعة أحرف، لكنه لا يذكر ابن مسعود باسمه، ولا «شاف كاف»، ولا أمثلة «غفورًا رحيمًا».14
ورواه أحمد،15 من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن حُميد الطويل، عن أنس، عن أُبي بن كعب رضي الله عنه، وفيه أن أُبيًّا ورجلًا اختلفا في القراءة، فصدقهما النبي ﷺ، ثم قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي... حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ»، وقال محققو المسند: «إسناده صحيح على شرط الشيخين».16 وأورده ابن حبان في «صحيحه» من طريق يزيد بن هارون، عن حميد، بهذا الإسناد.17 فهذا طريق صحيح مستقل يثبت زيادة «كل شاف كاف»، فلا تبقى هذه الزيادة متوقفة على طريق قتادة عن يحيى بن يعمر.
وأما قوله: «مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ» فله شاهد مستقل من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ رواه الطحاوي،18 وابن عبد البر،19 والبيهقي من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا وَلَا حَرَجَ، وَلَكِنْ لَا تَخْتِمُوا ذِكْرَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ، وَلَا ذِكْرَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ».20 وقد حكم الطبري بثبوته، وإسناده حسن.21
وله شاهد آخر من حديث أبي بكرة رضي الله عنه؛ رواه أحمد،22 من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جُدعان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، مرفوعًا: «اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ تُخْتَمْ آيَةُ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ، أَوْ آيَةُ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ». وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، فلا يعتمد عليه وحده، لكنه صالح في الشواهد، وقد صححه محققو المسند لغيره.23
وأما الأمثلة: «غفورًا رحيمًا»، و«سميعًا عليمًا»، ونحو ذلك، فقد جاءت أيضًا من حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عنه، لكن ابن حبان نبّه تنبيهًا مهمًا فقال عقب الرواية: «قول محمد بن عمرو أدرجه في الخبر، والخبر إلى سبعة أحرف فقط».24 فلا يصح جعل هذه الطريق شاهدًا مرفوعًا مستقلًا للأمثلة؛ لأن ابن حبان حكم عليها بالإدراج.
وتبقى أمثلة «غفورًا رحيمًا» ونحوها محفوظة في طريق همام عن قتادة، وقد قبلها ابن عبد البر واحتج بها في تفسير معنى الأحرف فقال: «إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها أنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها»، ثم بيّن أن المراد ليس قلب الرحمة عذابًا ولا العذاب رحمة.25
وأما تسمية القارئ المخالف لأُبي بابن مسعود، فهي من ألفاظ طريق همام عن قتادة فيما وقفت عليه؛ فالطريق الصحيح عند مسلم أبهم الرجلين، وطريق حميد عن أنس قال: «رجل». ولهذا فثبوت أصل الواقعة لا يتوقف على تعيين ابن مسعود، وإن كان طريق همام قد سمّاه.
فالحديث له أصل صحيح لا شك فيه من حديث أُبي بطرق مستقلة: طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عند مسلم يثبت أصل اختلاف القراءة والتدرج إلى سبعة أحرف، وطريق حميد عن أنس عن أُبي يثبت زيادة «كلها شاف كاف»، وحديث أبي هريرة يثبت قيد عدم ختم الرحمة بالعذاب والعذاب بالرحمة. وأما طريق همام عن قتادة عن يحيى بن يعمر، وهو الطريق الذي جمع ألفاظ المتن المذكور، فقد اختلف في اتصاله؛ فنفى أحمد سماع قتادة من يحيى، وأثبته البخاري، ووقع التصريح بالسماع في رواية عفان عن همام، كما أن جماعة من الحفاظ قبلوا الحديث، ومنهم أبو داود والضياء وابن عبد البر. ولذلك فالراجح بقاء الحكم على الحديث بالصحة بمجموع طرقه، مع التنبيه إلى أن تسمية ابن مسعود وأمثلة «غفورًا رحيمًا» ونحوها أخص ألفاظ السياق وأقلها شواهد مستقلة، فلا يصح الاستدلال بها على جواز تبديل ألفاظ القرآن بالرأي والاختيار؛ فالحديث يتكلم عن الأحرف التي أنزلها الله وأقرأ بها نبيه ﷺ، لا عن إنشاء القارئ ألفاظًا من عند نفسه.
المصادر والمراجع
1مسند أحمد (35/ 84 رقم 21149 ط الرسالة)
2سنن أبي داود (1/ 550 رقم 1477 ط مع عون المعبود)
3شرح مشكل الآثار (8/ 122 رقم 3113 ت شعيب الأرناؤوط)
4السنن الكبرى للبيهقي (2/ 384 ط دائرة المعارف العثمانية)
5الأحاديث المختارة (3/ 379 رقم 1175 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
6مسند أحمد (35/ 84 رقم 21149 ط الرسالة)
7شرح مشكل الآثار (8/ 122 رقم 3113 ت شعيب الأرناؤوط)
8الأحاديث المختارة (3/ 379 رقم 1175 ت عبد الملك بن عبد الله دهيش)
9المعرفة والتاريخ (2/ 141 ط مؤسسة الرسالة)
10التاريخ الكبير (8/ 311 ط دائرة المعارف العثمانية)
11السنن الكبرى للبيهقي (2/ 384 ط دائرة المعارف العثمانية)
12السنن الكبرى للبيهقي (2/ 384 ط دائرة المعارف العثمانية)
13صحيح مسلم (1/ 561 رقم 820 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
14صحيح مسلم (1/ 561 رقم 820 ت محمد فؤاد عبد الباقي)
15مسند أحمد (35/ 69 رقم 21132 ط الرسالة)
16مسند أحمد (35/ 69 رقم 21132 ط الرسالة)
17صحيح ابن حبان (3/ 11-12 رقم 737 ت شعيب الأرناؤوط)
18شرح مشكل الآثار (8/ 113 رقم 3101 ت شعيب الأرناؤوط)
19التمهيد (5/ 598 ت بشار)
20التمهيد (5/ 598 ت بشار)
21تفسير الطبري (1/ 40)
22مسند أحمد (34/ 70 رقم 20425 ط الرسالة)
23مسند أحمد (34/ 70 رقم 20425 ط الرسالة)
24صحيح ابن حبان (3/ 18 رقم 743 ت شعيب الأرناؤوط)
25التمهيد (5/ 593 ت بشار)
شرح الحديث
(قَرَأْتُ آيَةً، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ خِلَافَهَا) أي قرأ أُبي الآية على الوجه الذي أقرأه إياه النبي ﷺ، وقرأ ابن مسعود في هذه الرواية وجهًا آخر مما أُقرئه، فأنكر أُبي اختلاف اللفظ قبل أن يعلم سعة الأحرف المنزلة. (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ) أي رجعوا إلى النبي ﷺ ليحكم بينهم في القراءة، وفي هذا رد الاختلاف إلى مصدر الوحي. (أَلَمْ تُقْرِئْنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: بَلَى) فأقر النبي ﷺ أن الوجه الذي قرأ به أُبي مما علّمه إياه. (أَلَمْ تُقْرِئْنِيهَا كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: بَلَى) وأقر كذلك القراءة الأخرى، فدل على أن اختلافهما كان من اختلاف التنزيل المأذون فيه لا من خطأ أحدهما. (كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ مُجْمِلٌ) أي كلاكما أصاب فيما قرأ به واتبع الوجه الذي أُقرئه. (فَضَرَبَ صَدْرِي) لما وقع في نفس أُبي من شدة الاستغراب والشك العارض عند سماع تصويب القراءتين المختلفتين، فضرب النبي ﷺ صدره تثبيتًا له وإزالة لما عرض له، وقد ثبت هذا المعنى في صحيح مسلم. (إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ) أي لقنني جبريل القرآن بأمر الله تعالى. (فَقُلْتُ: عَلَى حَرْفَيْنِ... حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ) أي حصلت الزيادة والتوسعة على الأمة حتى أذن لها أن تقرأ بما أنزل من الأحرف السبعة، وقد اختلف العلماء اختلافًا كثيرًا في المراد بتعيين هذه الأحرف، فلا يجوز الجزم بتفسير لا دليل قاطع عليه. (لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ) أي كل وجه من الأحرف التي أنزلها الله حق كاف في أداء ما أنزل، وليس بعضها باطلًا وبعضها حقًا. (إِنْ قُلْتَ: غَفُورًا رَحِيمًا، أَوْ قُلْتَ: سَمِيعًا عَلِيمًا، أَوْ عَلِيمًا سَمِيعًا، فَاللهُ كَذَلِكَ) المراد على ما فسره ابن عبد البر ضرب المثال للألفاظ المنزلة المتقاربة المعنى، لا إباحة أن يغيّر الإنسان ألفاظ القرآن باجتهاده، فالقرآن يُقرأ كما نُقل وتُلقي، وهذه الرخصة متعلقة بما أُنزل من الأحرف لا بما ينشئه القارئ من عند نفسه. (مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ) أي إن اختلاف الأحرف لا يقلب المعنى إلى ضده، فلا يجعل موضع الوعيد وعدًا ولا موضع الوعد وعيدًا، وهذه الجملة ثابتة أيضًا من حديث أبي هريرة بطريق مستقل.
فوائد الحديث
في الحديث ثبوت نزول القرآن على سبعة أحرف، وقد تواترت الأحاديث بأصل ذلك.
وفيه أن اختلاف الأحرف المنزلة اختلاف تنوع لا تناقض، ولهذا صحح النبي ﷺ القراءات التي أقرأهم إياها.
وفيه وجوب رد النزاع في القرآن والسنة إلى الوحي وأهل العلم، وعدم المبادرة إلى تخطئة ما يجهله الإنسان.
وفيه شفقة النبي ﷺ على أمته وطلبه التخفيف عنها في قراءة القرآن.
وفيه أن كل حرف أنزله الله شاف كاف، فلا يكون شيء من الوحي مناقضًا لشيء منه.
وفيه أن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع المشهورة التي جمعها ابن مجاهد بعد عصر النبوة.
وفيه أن الحديث لا يبيح للقارئ تبديل ألفاظ القرآن بمترادفات يختارها من عند نفسه، وإنما الكلام في وجوه أنزلها الله تعالى.
وفيه أن اختلاف اللفظ المأذون فيه لا يكون بحيث يقلب الرحمة عذابًا أو العذاب رحمة.