تخريج حديث 935: «إِنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ…»
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
إِنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ.”
رواه سعيد بن منصور،1 وأبو عبيد،2 والدارمي،3 وابن الضريس،4 من طرق عن هُشيم، عن أبي هاشم، عن أبي مِجلز، عن قيس بن عُباد، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه موقوفًا. ففي رواية سعيد بن منصور: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ»، وفي رواية الدارمي: «لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ».5
ورواه الحاكم،6 من طريق نُعيم بن حماد، عن هُشيم، عن أبي هاشم، عن أبي مِجلز، عن قيس بن عُباد، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: «إِنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ». وصححه الحاكم، لكن تعقبه الذهبي في نُعيم بن حماد بقوله: «ذو مناكير».
(مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ) قرأ هذه السورة كاملة (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) خصت الرواية الموقوفة عند سعيد بن منصور القراءة بيوم الجمعة، وجاء عند الدارمي: «ليلة الجمعة»؛ فوقع اختلاف في هذا القيد (أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ) وعدٌ بنور يحصل لقارئ سورة الكهف، وقد جاءت الرواية الموقوفة بامتداد هذا النور بين القارئ والبيت العتيق (مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ) المراد في اللفظ المرفوع استمرار هذا النور من الجمعة إلى الجمعة التالية، لكن هذه الجملة بهذا اللفظ ليست هي المحفوظة في الرواية الموقوفة؛ وإنما المحفوظ فيها: «ما بينه وبين البيت العتيق».
قال الحاكم عن المرفوع: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه».1 وصححه الألباني.2
لكن نقل ابن حجر عن النسائي أنه قال بعد روايته مرفوعًا وموقوفًا: «وقفه أصح».3 وقال البيهقي: «هذا هو المحفوظ موقوف».4 وقال الذهبي: «وقفه أصح».5 وقال ابن القيم: «وذكره سعيد بن منصور من قول أبي سعيد الخدري، وهو أشبه».6 وهو ما رجح الحويني،7 وعبد الله الفوزان الفوزان،8 وأعله ضياء الرحمن،9 والعدوي مع بعض الباحثين.10
ورواه البيهقي مرفوعًا من طريق يزيد بن مخلد، عن هُشيم، ثم بيّن أن سعيد بن منصور رواه عن هُشيم موقوفًا، وقال: «هذا هو المحفوظ موقوف».8
ولم ينفرد هُشيم بأصل وقفه؛ فقد رواه سفيان الثوري، عن أبي هاشم، عن أبي مِجلز، عن قيس بن عُباد، عن أبي سعيد رضي الله عنه موقوفًا، ورواه شعبة عن أبي هاشم موقوفًا كذلك، غير أن روايتهما ليس فيها تقييد القراءة بيوم الجمعة، ولفظهما في النور بين موضع القارئ ومكة.9 وقد روى عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري هذا الوجه موقوفًا.10
فمدار الحديث على أبي هاشم الرُّمَّاني، عن أبي مِجلز، عن قيس بن عُباد، عن أبي سعيد رضي الله عنه، وقد اختلف عنه في الرفع والوقف وفي بعض ألفاظ المتن. ورواية الوقف محفوظة من طريق هُشيم، ووافقه عليها سفيان الثوري وشعبة.
كما أن لفظ الموقوف المحفوظ عن هُشيم: «أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ»، أما لفظ: «مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» فجاء في الرواية المرفوعة؛ فلا يصح أن نجعل لفظ المرفوع كله محفوظًا لمجرد ثبوت أصل الخبر موقوفًا.
فالراجح أن رفع الحديث إلى النبي ﷺ لا يثبت، وأن المحفوظ عن أبي سعيد رضي الله عنه وقفه، وهذا هو الموافق لترجيح النسائي والبيهقي والذهبي وابن القيم. وأما الموقوف فإسناده صحيح إلى أبي سعيد من طريق هُشيم، وقد صرح هُشيم بالتحديث في بعض طرقه.